سأقص (عَلَيْكُمْ مِنْهُ) من حاله (ذِكْراً) (٨٣) خبرا (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ) بتسهيل السير فيها (وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) يحتاج إليه (سَبَباً) (٨٤) طريقا إلى مراده (فَأَتْبَعَ سَبَباً) (٨٥) سلك طريقا نحو المغرب (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ) موضع غروبها (وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) ذات حمأة وهي الطين الأسود وغروبها في العين في رأي العين وإلا فهي أعظم من الدنيا (وَوَجَدَ عِنْدَها) أي العين (قَوْماً) كافرين (قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ) بإلهام (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ) القوم بالقتل (وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) (٨٦) بالأسر (قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ) بالشرك (فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) نقتله (ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً) (٨٧) بسكون الكاف وضمها شديدا في النار (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) أي الجنة ، والإضافة للبيان ، وفي قراءة بنصب جزاء وتنوينه.
____________________________________
بناحية الأرض اليسرى يريد تاويل ، وهي الأرض التي تقابل هاويل ، بينهما عرض الأرض ففعل فيها كفعله فيما قبلها ، ثم عطف على الأمم التي في وسط الأرض ، من الإنس والجن ويأجوج ومأجوج ، فلما كان في بعض الطريق ، مما يلي منقطع الترك نحو المشرق ، قالت أمة صالحة من الإنس : يا ذا القرنين ، إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله كثيرين ، ليس فيهم مشابهة للإنس ، وهم أشباه البهائم ، يأكلون العشب ، ويفترسون الدواب والوحش كما تفترسها السباع ، ويأكلون دواب الأرض كلها ، من الحيات والعقارب والوزغ وكل ذي روح مما خلق الله في الأرض ، وليس لله خلق تنمى نماءهم في العام الواحد ، فإذا طالت المدة ، سيملأون الأرض ويخرجون أهلها منها ، فهل نجعل لك خرجا ، على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ، إلى آخر ما يأتي في الآية ، وبالجملة فقد ملكه الله ومكنه ودانت له الملوك ، فقد روي أن الذين ملكوا الدنيا كلها أربعة : مؤمنان وكافران ، فالمؤمنان : سليمان بن داود ، والإسكندر. والكافران : نمروذ ، وبختنصر ، وسيملكها من هذه الأمة خامس وهو المهدي.
قوله : (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ) أي بالتصرف فيها حيث شاء. قوله : (طريقا) أي كآلات السير وكثرة الجند. قوله : (إلى مراده) أي وهو جميع الأرض. قوله : (فَأَتْبَعَ سَبَباً) بالتشديد والتخفيف ، قراءتان سبعيتان. قوله : (موضع غروبها) أي فالمراد أنه بلغ آخر العمارة من الأرض ووصل إلى ساحل البحر المحيط ، فلما لم يبق قدامه شط بل مياه لا آخر لها ، رأى الشمس كأنها تغرب فيه ، وسماه الله عينا ، لأنه بالنسبة إلى ما هو أعظم منه في علم الله كالعين ، وإن كان عظيما في نفسه. قوله : (حَمِئَةٍ) بالهمز بدون ألف ، وبألف بعدها ياء ، قراءتان سبعيتان ، فأما الأولى فهي من الحمأة ، وهي الطين الأسود. وأما الثانية فهي اسم فاعل من حمى يحمي. والمعنى في عين حارة ، ولا تنافي بين القراءتين ، لأن العين جامعة بين الوصفين : الحرارة وكون أرضها من طين. قوله : (وغروبها في العين) الخ ، جواب عما يقال : إن الشمس في السماء الرابعة ، وهي قدر كرة الأرض مائة وستين مرة ، فكيف تسعها عين في الأرض تغرب فيها؟ فأجاب : بأن هذا الوجدان باعتبار ما رأى لا حقيقة ، كما يرى راكب البحر الشمس طالعة وغاربة فيه. قوله : (كافرين) أي وكانوا في مدينة لها اثنا عشر ألف باب ، كانت على ساحل البحر المحيط ، وقوتهم ما يلفظه البحر من السمك ، وكان لباسهم جلود الوحوش.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٢ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4466_hashiyat-alsawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
