الْإِنْسانِ) الكافر (أَعْرَضَ) عن الشكر (وَنَأى بِجانِبِهِ) ثنى عطفه متبخترا (وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ) الفقر والشدة (كانَ يَؤُساً) (٨٣) قنوطا عن رحمة الله (قُلْ كُلٌ) منا ومنكم (يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ) طريقته (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً) (٨٤) طريقا فيثيبه (وَيَسْئَلُونَكَ) أي اليهود (عَنِ
____________________________________
الأوصاف في حقه ، وكل ما ورد في حق الكفار من الذم ، فإنه يجر بذيله على عصاة الأمة المتصفين بتلك الأوصاف. قوله : (أَعْرَضَ) (عن الشكر) أي عن صرف النعم في مصارفها وتكبر وتعاظم. قوله : (ثنى عطفه) ألوى جانبه. قوله : (متبخترا) أي متكبرا. قوله : (كانَ يَؤُساً) أي غير راج رحمة الله ، ولا ينافي ما هنا قوله تعالى في الآية الأخرى (وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ) فذو دعاء عريض لأن الكفار مختلفون ، فبعضهم في حال الشر يكثر الدعاء ، وبعضهم يقنط من رحمة الله ، أو يقال : إنهم وإن أكثروا الدعاء ظاهرا هم قانطون في الباطن من رحمة الله.
قوله : (عَلى شاكِلَتِهِ) أي كل واحد منا ومنكم ، ويعمل على حالته وطبيعته وروحه التي جبل عليها ، فالروح السعيدة صاحبها يعمل عمل السعداء ، وتظهر منه الأخلاق المرضية ، والأفعال الجميلة ، وصاحب الروح الشقية ، يعمل عمل الأشقياء ، وتظهر منه الأخلاق القبيحة ، والأفعال الخبيثة ، وفي هذه الآية دليل على أن الظاهر عنوان الباطن. قوله : (أَهْدى) يجوز أن يكون من اهتدى على حذف الزوائد ، وأن يكون من هدى المتعدي ، وأن يكون من هدى القاصر بمعنى اهتدى ، و (سَبِيلاً) تمييز على كل حال ، وفي الآية اكتفاء ، أي بمن هو أضل سبيلا.
قوله : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) سبب نزولها كما قال ابن عباس : أن قريشا اجتمعوا وقالوا : إن محمدا نشأ فينا بالأمانة والصدق ، وما اتهمناه بكذب ، وقد ادعى ما ادعى ، فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه ، فإنهم أهل كتاب ، فبعثوا جماعة إليهم فقالت : سلوه عن ثلاثة أشياء ، فإن أجاب عن كلها ، أو لم يجب عن شيء منها فليس بنبي ، وإن أجاب عن اثنين ، ولم يجب عن واحد فهو نبي ، فاسألوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول ما كان أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب. وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها ما خبره؟ وعن الروح. فسألوا النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : أخبركم بما سألتم غدا ، ولم يقل إن شاء الله ، فلبث الوحي اثني عشر ، وقيل خمسة عشر ، وقيل أربعين يوما ، وأهل مكة يقولون : وعدنا محمد غدا ، وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء ، حتى حزن رسول الله صلىاللهعليهوسلم من مكث الوحي ، وشق عليه ما يقول أهل مكة ، ثم نزل جبريل عليهالسلام : بقوله تعالى : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) ونزل في الفتية (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) الآيات. ونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب (وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) الآيات. ونزل في الروح قوله تعالى (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) الآية ، فأصل السؤال من اليهود ، والناقل له قريش. قوله : (عَنِ الرُّوحِ) أي عن حقيقة الروح الذي به حياة البدن ، وهذا هو الأصح ، وقيل الروح التي سألوه عنها هو جبريل ، وقيل ملك له سبعون الف وجه ، لكل وجه سبعون الف لسان ، يسبح الله تعالى بجميع ذلك ، فيخلق الله تعالى بكل تسبيحة ملكا ، وقيل إنهم جند من جنود الله على صورة بني آدم ، لهم أيد وأرجل ورؤوس ، ليسوا بملائكة ولا أناس يأكلون الطعام ، وقيل ملك عظيم عن يمين العرش ، لو شاء أن يبتلع السماوات السبع في
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٢ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4466_hashiyat-alsawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
