إن كنت نبيا فالحق بالشام فإنها أرض الأنبياء (وَإِنْ) مخففة (كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ) أرض المدينة (لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً) لو أخرجوك (لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ) فيها (إِلَّا قَلِيلاً) (٧٦) ثم يهلكون (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا) أي كسنتنا فيهم من إهلاك من أخرجهم (وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً) (٧٧) تبديلا (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي من قوت زوالها (إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) إقبال ظلمته أي الظهر والعصر والمغرب والعشاء (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) صلاة الصبح (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) (٧٨) تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ) فصل (بِهِ) بالقرآن
____________________________________
أبا القاسم ، لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء ، فإن أرض الأنبياء الشام ، وهي الأرض المقدسة ، وكان بها إبراهيم والأنبياء ، فإن كنت نبيا مثلهم فائت الشام ، وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافة الروم ، وإن الله سيمنعك من الروم إن كنت رسوله ، فسار النبي بجيشه على ثلاثة أميال من المدينة ، وفي رواية إلى ذي الحليفة ، حتى يجتمع إليه أصحابه ، ويأتي الإذن من الله فيخرج ، فنزلت هذه الآية ، فرجع ، وسلطه الله عليهم ، فقتل منهم بني قريظة ، وأجلى بني النضير بعد زمن قليل ، وهذا مبني على أن الآية مدنية ، وأما على أن الآية مكية ، فالمراد بالأرض أرض العرب ، والمعنى همّ المشركون أن يخرجوه منها ، فمنعهم الله عنه ، ولم ينالوا منه ما أملوه.
قوله : (لَيَسْتَفِزُّونَكَ) أي يزعجونك بمكرهم وعداوتهم. قوله : (وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ) العامة على ثبوت النون ، ورفع الفعل لعطفه على قوله : (لَيَسْتَفِزُّونَكَ) وقرىء شذوذا بحذف النون وخرجت على أنه منصوب بإذا. قوله : (خَلْفَكَ) وفي قراءة خلافك وهما سبعيتان والمعنى واحد. قوله : (إِلَّا قَلِيلاً) صفة لمصدر أو لزمان محذوف ، أي إلا لبثا أو زمانا قليلا. قوله : (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا) سنة منصوب بنزع الخافض ، كما أشار له المفسر بقوله : (أي كسنتنا) والمعنى يفعل باليهود من إهلاكهم لو أخرجوك ، كسنتنا فيمن قد مضى من الرسل ، حيث نهلك من أخرجهم ، وهذا على أن الآية مدنية وعلى أنها مكية ، فالمعنى نفعل بأهل مكة الذين عزموا على إخراجك ، كما فعلنا بمن مضى قبلهم ، وقد قطع الله دابرهم بسيفه صلىاللهعليهوسلم في بدر وغيرها.
قوله : (أَقِمِ الصَّلاةَ) أي دم على أداء الصلاة التي فرضها الله عليك ، وهي الصلوات الخمس بشروطها وأركانها وآدابها. قوله : (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) مادة الدلوك تدل على التحول والانتقال ، ومنه الدلاك لعدم استقرار يده ، وفي الزوال انتقال الشمس من وسط السماء إلى ما يليه ، ويستعمل في الغروب أيضا. قوله : (أي من وقت زوالها) أشار بذلك إلى أن اللام بمعنى من الابتدائية ، والكلام على حذف مضاف ، والدلوك بمعنى الزوال ، ويصح أن تكون اللام على بابها للتعليل ، ويصح أن تكون بمعنى بعد ، والأسهل ما قاله المفسر.
قوله : (إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل أقم ، والتقدير أقم الصلاة ، مبتدئا من دلوك الشمس ، منتهيا إلى غسق الليل. قوله : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) بالنصب عطف على الصلاة. قوله : (صلاة الصبح) أي وسميت قرآنا ، لأنه أحد أركانها ، فسميت باسم بعضها. قوله : (تشهده ملائكة الليل) إلخ ، أي تحضره الملائكة الحفظة لما في الحديث «إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ،
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٢ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4466_hashiyat-alsawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
