الأهوال تدهشهم فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة (ذَرْهُمْ) اترك الكفار يا محمد (يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا) بدنياهم (وَيُلْهِهِمُ) يشغلهم (الْأَمَلُ) بطول العمر وغيره عن الإيمان (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (٣) عاقبة أمرهم وهذا قبل الأمر بالقتال (وَما أَهْلَكْنا مِنْ) زائدة (قَرْيَةٍ) أريد أهلها (إِلَّا وَلَها كِتابٌ) أجل (مَعْلُومٌ) (٤) محدود لإهلاكها (ما تَسْبِقُ مِنْ) زائدة (أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ) (٥) يتأخرون عنه (وَقالُوا) أي كفار مكة للنبي صلىاللهعليهوسلم (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) القرآن في زعمه (إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (٦) (لَوْ ما) هلا (تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٧) في قولك إنك نبي وأن هذا القرآن من عند الله ، قال تعالى : (ما نُنَزِّلُ) فيه حذف إحدى التاءين (الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِ) بالعذاب (وَما كانُوا إِذاً) أي حين نزول الملائكة بالعذاب
____________________________________
قوله : (ذَرْهُمْ) لم يستعمل لهذا الأمر ماض استغناء عنه بترك ، بل يستعمل منه المضارع ، وقد جاء منه الماضي قليلا ، قال عليه الصلاة والسّلام «ذروا الحبشة ما وذرتكم». قوله : (يَأْكُلُوا) مجزوم بحذف النون في جواب الأمر ، وكذا قوله : (وَيَتَمَتَّعُوا). قوله : (وَيُلْهِهِمُ) مجروم أيضا بحذف الياء ، وفيه ثلاث قراءات سبعية : كسر الهاء الثانية والميم وضمهما ، وكسر الهاء وضم الميم ، وأما الهاء الأولى فمكسورة لا غير ، لأنها من بنية الكلمة. قوله : (الْأَمَلُ) فاعل (يُلْهِهِمُ). قوله : (عاقبة أمرهم) قدره إشارة إلى أن مفعول (يَعْلَمُونَ) محذوف. قوله : (وهذا قبل الأمر بالقتال) أي قوله : (ذَرْهُمْ) الخ فهذه الآية منسوخة بآية القتال. قوله : (زائدة) أي في المفعول. قوله : (أريد أهلها) أي ففيه مجاز ، إما بالحذف ، أو مرسل من إطلاق المحل وإرادة الحال فيه. قوله : (إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ) الجملة حالية ، والمعنى وما أهلكنا قرية في حال من الأحوال ، إلا في حال أن يكون لها كتاب ، أي أجل مؤقت لهلاكها ، وجعلنا الواو حالية ، أسهل من جعلها زائدة بين الصفة والموصوف. قوله : (مِنْ أُمَّةٍ) فاعل تسبق ، و (مِنْ) لا زائدة في الفاعل للتأكيد قوله : (أَجَلَها) أي وهو الكتاب المتقدم. قوله : (يتأخرون عنه) أي الأجل.
قوله : (وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) نادوه صلىاللهعليهوسلم على سبيل التهكم والاستهزاء ، لا إقرار بأنه نزل عليه الذكر ، ولذا قال المفسر (في زعمه) فدفع به ما قد يقال ، إن في الآية مضاربة أولها لآخرها. قوله : (إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) أي إنك لتقول قول المجانين ، حيث تدعي أن الله نزل عليك الذكر ، وقولهم هذا كقول فرعون (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) والحاصل أنهم قالوا مقالتين : الأولى : (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) ، والثانية (لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ) وقد رد الله ذلك على سبيل اللف والنشر والمشوش فقوله : (ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ) رد للثانية ، قوله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) رد للأولى.
قوله : (لَوْ ما تَأْتِينا) تستعمل (لَوْ ما) حرف تحضيض ، وحرف امتناع لوجود ، فالتحضيضية لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا ، والامتناعية لا يليها إلا الأسماء لفظا أو تقديرا ، إذا علمت ذلك فهي هنا للتحضيض ، ولذا فسرها بهلا. قوله : (بِالْمَلائِكَةِ) أي لتخبرنا بصدقك. قوله : (فيه حذف إحدى التاءين) أي والأصل تتنزل ، وفي قراءة سبعية أيضا ، ننزل بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الزاي المشددة ، ونصب الملائكة على المفعولية ، وقرىء شذوذا ما تنزل ، بفتح التاء وسكون النون وكسر الزاي ، و (الْمَلائِكَةَ) فاعل.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٢ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4466_hashiyat-alsawi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
