وظهرت فيه الصّحة : زاد توجه الروح اليه ، ويشتد الحبّ والعلائق بينهما إلى أن ينتهى إلى أقصى المدارج ، ويكمل بتمام الصحّة ، وانتهاء الصلاح الي غايته ، ومثله في جانب التسافل والتنازل مهما يشتد عليه المرض الي أن ينتهي الى التقاطع والانفصال فتعرض الروح عن العضو الفاسد وترتضي قطعه وفصله عنه. وكذلك الحب والعلائق الكائنة بين القلوب والأرواح ، وبين من خلقها او من خلقت له ، إنّما تختلف بمدارج صحّة القلوب وصلاحها ، وتدور مدار حياتها ، ونورانيّتها واعتدالها على ما خلقت له وكلّفت به ، ولا تتّم سلامة القلب إلّا بالتوحيد ، والعلم ، والمعرفة ، والذكر ، والموعظة ، وترك الشهوات ، فانّ التوحيد ـ كما ورد عن أمير المؤمنين عليهالسلام : «حياة النفس ، والعلم محيي النفس ، والمعرفة نور القلب ، والذكر نور العقول وحياة النفوس وجلاء الصدور ، والمواعظ صقال النفوس وجلاء القلوب ، والشهوات سموم قاتلات ، والانقياد للشهوات من أدوى الداء ، والشهوات اعلال قاتلات ، وأفضل دوائها اقتناء الصبر عنها» (١).
وهذه كلها يجمعها العلم ، والصبر بالطاعة وترك المعصية ، ويجمعها التقوى ، فالقول الفصل أنّ صحة القلب وسلامته الواردة في قوله تعالى : (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)(٢) انّما هي بالتقوى والعلائق. والروابط الروحيّة انّما تدور على التقوى ، وهذا معنى قوله تعالى : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ)(٣) اذ حقيقة التقوى
__________________
(١) الغرر والدرر للامدى.
(٢) الشعراء : ٨٨.
(٣) الحجرات : ١٣.
