ولتضع عليها نير المذّله بالعبوديّة ، فأراد بيان المذهب الحقّ في أفعال العباد من حيث الجبر والتفويض ، فقال : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) مشيرا إلى أنّ أفعال العباد مخلوقة لهم بحول وقوّة منه تعالى ، وأنّ العبوديّة المطلوبة للمولى سبحانه وتعالى ، إنّما هي العبادة الخالصة الصادرة من العباد بارادتهم وإختيارهم ، مستعينا من الله على طاعته ، وتأدية فروضه ، واستكمال سنّته ، وهذا معنى الأمر بين الأمرين المستفاد من نفي الجبر بقوله : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ونفي التفويض بقوله : (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
وبهذه الآية الشريفة إستدل الامام أبو عبد الله عليهالسلام على القدّري كما ورد في تفسير العياشي باسناده ، عن بعض أصحابنا قال : «بعث عبد الملك بن مروان الى عامل المدينة أن وجّه إليّ محمّد بن عليّ بن الحسين (١) ولا تهيّجه ولا تروّعه ، واقض له حوائجه ، وقد كان ورد علي عبد الملك رجل من القدرية ، فحضر جميع من كان بالشام فأعياهم جميعا ، فقال : ما لهذا إلّا محمّد بن عليّ ، فكتب الى صاحب المدينة أن يحمل محمّد بن عليّ إليه ، فأتاه صاحب المدينة بكتابه ، فقال له أبو جعفر عليهالسلام : إنّي شيخ كبير لا أقوى على الخروج ، وهذا جعفر ابني يقوم مقامي ، فوّجهه إليه فلمّا قدم على الأموي أزراه (٢) لصغره ، وكره أن يجمع بينه وبين القدريّ مخافة أن يغلبه ، وتسامع الناس بالشام بقدوم جعفر لمخاصمة القدريّ ، فلمّا كان من الغد اجتمع الناس لخصومتهما ، فقال الأموي
__________________
(١) يعنى الامام الباقر عليهالسلام.
(٢) أزراه : عابه ووضع من حقه.
