قوله تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ) ، فغرقوا ، (وَهُمْ ظالِمُونَ) ، قال ابن عباس : مشركون.
(فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ) ، يعني من الغرق ، (وَجَعَلْناها) ، يعني السفينة (آيَةً) ، أي عبرة ، (لِلْعالَمِينَ) ، فإنها كانت باقية على الجودي مدة مديدة. وقيل : جعلنا عقوبتهم بالغرق عبرة [لمن بعدهم](١). وقال ابن عباس رضي الله عنهما : بعث نوح لأربعين سنة وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا وكان عمره ألفا وخمسين سنة.
قوله تعالى : (وَإِبْراهِيمَ) ، أي وأرسلنا إبراهيم ، (إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ) ، أطيعوه وخافوه ، (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
(إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً) أصناما ، (وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً) ، تقولون كذبا ، قال مقاتل (٢) : تصنعون أصناما بأيديكم فتسمونها آلهة ، (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) ، لا يقدرون أن يرزقوكم ، (فَابْتَغُوا) ، فاطلبوا ، (عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).
(وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، مثل عاد وثمود وغيرهم فأهلكوا ، (وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ).
(أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤))
(أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ) ، كيف يخلقهم ابتداء نطفة ثم علقة ثم مضغة (ثُمَّ يُعِيدُهُ) في الآخرة عند البعث (إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ).
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) فانظروا إلى ديارهم وآثارهم كيف بدا خلقهم ، (ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) ، أي ثم الله الذي خلقها ينشئها نشأة ثانية بعد الموت ، فكما لم يتعذر عليه إحداثها مبدئا لا يتعذر عليه إنشاؤها معيدا ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو : «النشأة» بفتح الشين ممدودة حيث وقعت ، وقرأ الآخرون بسكون الشين مقصورة نظيرها الرأفة والرآفة ، (إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
(يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ،) تردون ، تردون.
(وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) ، فإن قيل ما وجه قوله : (وَلا فِي السَّماءِ) والخطاب مع الآدميين وهم ليسوا في السماء؟ قال الفراء : معناه ولا من في السماء بمعجر كقول حسان بن ثابت :
|
فن يهجو رسول الله منكم |
|
ويمدحه وينصره سواء |
__________________
(١) زيادة عن المخطوط.
(٢) في المطبوع ـ ب ـ «مجاهد».
![تفسير البغوي [ ج ٣ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4192_tafsir-albaghawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
