مِنَ السَّماءِ ماءً) ، يعني المطر ، (فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ) ، بساتين جمع حديقة ، قال الفراء : الحديقة البستان المحاط عليه ، فإن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة ، (ذاتَ بَهْجَةٍ) ، أي منضر حسن ، والبهجة : الحسن يبتهج به من يراه ، (ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها) ، أي ما ينبغي لكم ، لأنكم لا تقدرون عليها. (أَإِلهٌ مَعَ اللهِ) ، استفهام على طريق الإنكار أي هل معه معبود سواه يعينه على صنعه بل ليس معه إله. (بَلْ هُمْ قَوْمٌ) ، يعني كفار مكة ، (يَعْدِلُونَ) ، يشركون.
(أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً) ، لا تميد بأهلها ، (وَجَعَلَ خِلالَها) ، وسطها (أَنْهاراً) ، تطرد بالمياه ، (وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ) جبالا ثوابت ، (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ) ، العذب والمالح ، (حاجِزاً) ، مانعا لئلا يختلط أحدهما بالآخر ، (أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ، توحيد ربهم وسلطانه.
(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ) ، المكروب المجهود ، (إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) ، الضر ، (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ) ، سكانها يهلك قرنا وينشئ آخر. وقيل : يجعل أولادكم خلفاءكم وقيل : جعلكم (١) خلفاء الجن في الأرض. (أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ) ، قرأ أبو عمرون بالياء والآخرون بالتاء.
(أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ، إذا سافرتم ، (وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) أي قدام المطر ، (أَإِلهٌ مَعَ اللهِ تَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
(أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١))
(أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) ، بعد الموت ، (وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) ، أي من السماء المطر ومن الأرض النبات. (أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ) ، حجتكم على قولكم أنّ مع الله إلها آخر. (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ).
(قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ) ، نزلت في المشركين حيث سألوا النبي صلىاللهعليهوسلم عن وقت قيام الساعة ، (وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ) ، متى ، (يُبْعَثُونَ).
(بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ) ، قرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو : «أدرك» على وزن أفعل أي بلغ ولحق ، كما يقال : أدركه علمي إذا لحقه وبلغه ، يريد ما جهلوا في الدنيا وسقط علمه عنهم أعلموه في الآخرة. وقال مجاهد : يدرك علمهم ، (فِي الْآخِرَةِ) ، ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم. قال مقاتل : بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكّوا وعموا عنه في الدنيا وهو قوله : (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها) ، يعني هم اليوم في شك من الساعة وقرأ الآخرون بل «ادّارك» موصولا مشددا مع الألف بعد الدال المشددة (٢) ، يعني تدارك وتتابع علمهم في الآخرة وتلاحق ، وقيل : معناه اجتمع علمهم حين عاينوها في الآخرة أنها
__________________
(١) في المطبوع «جعل» وفي المخطوط ـ ب ـ «يجعلكم» والمثبت عن المخطوط ـ أ ـ.
(٢) في المطبوع «المشدد».
![تفسير البغوي [ ج ٣ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4192_tafsir-albaghawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
