والصّدمة الّتي يحدثها إلتماس الشّر في أنفسهم لا تتجاوز كثيرا شكة الإبرة في بناء صلب : (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (١).
وليس يغض من صدق هذا القول أن نجد أكثر النّاس صلاحا هم كذلك أناس متمتعون بفطرتهم الكاملة. وقد كان النّبي صلىاللهعليهوسلم يقول عن نفسه : «إنّما أنا بشر ، أرضى كما يرضى البشر ، وأغضب كما يغضب البشر» (٢).
والواقع أنّ «الرّجل الصّالح في الإسلام» لا ينبغي أن يتصور على مثال «الحكيم البوذي» المجرد من الشّهوة ، ولا على مثال الحكيم الرّواقي الّذي لا يبالي بالألم. بل الأمر بعكس ذلك ، فبعض الأشياء يروق الرّجل الصّالح ، وبعضها يكرهه ، وما دام هواه الفطري ، أو الّذي اعتاده لا يتعارض مع واجب ، فهو في كلّتا الحالين لا يحاول أن يقاومه. ومن هذا القبيل ما روته السّنّة من عائشة رضى الله عنه ، قالت : «كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يحبّ الحلواء ، والعسل» (٣).
وما روي عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه من أنّه صلىاللهعليهوسلم كان يكره الثّوم ، والبصل ، وأنّه
__________________
(١) الأعراف : ٢٠٠.
(٢) انظر ، صحيح مسلم : ٤ / ٢٠٠٩ ح ٢٦٠٣ ، صحيح ابن حبّان : ١٤ / ٤٤٤ ح ٦٥١٤ ، مجمع الزّوائد : ٨ / ٢٦٧ ، الأحاد والمثاني : ٢ / ٢٠٠ ح ٩٥٠ ، البيان والتّعريف : ١ / ٢٦٣ ، فتح الباري : ١١ / ١٧٢ ح ٥٩٩٩ ، شرح النّووي على صحيح مسلم : ١٦ / ١٥١ ، حلية الأولياء : ٧ / ٢٠٨. ونعوذ بالله من هذا الحديث وأمثاله ؛ لأنّه يخالف عصمته صلىاللهعليهوآله.
(٣) انظر ، صحيح البخاري : ٥ / ٢٠٧١ ح ٥١١٥ و ٢٥٧٧ و ٥٢٩١ و ٥٣٥٨ ، صحيح مسلم : ٢ / ١١٠١ ح ١٤٧٤ ، صحيح ابن حبّان : ١٢ / ٥٩ ح ٥٢٥٤ ، سنن التّرمذي : ٤ / ٢٧٣ ح ١٨٣٠ ، سنن التّرمذي : ٢ / ١٤٦ ح ٢٠٧٤ و ٢٠٧٥ ، سنن أبي داود : ٣ / ٣٣٥ ح ٣٧١٥ ، السّنن الكبرى : ٤ / ٣٧٠ ح ٧٥٦٢ ، سنن ابن ماجه : ٢ / ١١٠٤ ح ٣٣٢٣ ، مسند أبي يعلى : ٨ / ١٨٦ ح ٤٧٤١.
