إنّ الذنوب الّتي قد تبدو لنا من أوّل وهلة ـ ذات أهمية ضئيلة ، لا تلبث ـ بعد أن نتناولها من هذه الزّاوية ـ أن تكشف لنا عن شناعة ، وأن تجعلنا نقيس المسئولية الّتي تصدر عنها على أوسع مدى ، بحيث يمكن أن يقال : إنّ الأخلاقية تزداد هنا عمقا ، كلّما كسب أفق العمل مجالا متسعا.
إنّ هذا المبدأ هو الّذي يسوغ قولنا : إنّ ترويج درهم زائف أشد خطرا من سرقة مئة درهم ، نظرا إلى استمرار الغش الّذي يحتمه هذا العمل في تداول النّقود ، فعلى المروّج وزرها ، بعد موته ، إلى أن يفنى ذلك الدّرهم.
وقد استطاع الغزالي استنادا إلى هذا المبدأ أن يقول : «ومن نظر إلى وجه غير المحرم فقد كفر نعمة العين ، ونعمة الشّمس ، إذ الإبصار يتم بهما ، وإنّما خلقتا ليبصر بهما ما ينفعه في دينه ، ودنياه ، ويتقي بهما ما يضره فيهما ، فقد استعملهما في غير ما أريدتا به ، وهذا لأنّ المراد من خلق الخلق ، وخلق الدّنيا ، وأسبابها ـ أن يستعين الخلق بهما على الوصول إلى الله تعالى ، ولا وصول إليه إلّا بمحبته والأنس به في الدّنيا ، والتّجافي عن غرور الدّنيا ، ولا أنس إلّا بدوام الذّكر ، ولا محبّة إلّا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر ، ولا يمكن الدّوام على الذّكر ، والفكر إلّا بدوام البدن ، ولا يبقى البدن إلّا بالغذاء ، ولا يتم الغذاء إلّا بالأرض ، والماء ، والهواء ، ولا يتم ذلك إلّا بخلق السّماء ، والأرض ، وخلق سائر الأعضاء ظاهرا ، وباطنا ، فكلّ ذلك لأجل البدن ، والبدن مطية النّفس ، والرّاجع إلى الله تعالى هي النّفس المطمئنة بطول العبادة ، والمعرفة ؛ فلذلك قال تعالى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَ
