وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) (١) ، فكلّ من استعمل شيئا في غير طاعة الله فقد كفر نعمة الله في جميع الأسباب الّتي لا بدّ منها ، لإقدامه على تلك المعصية» (٢).
وقد استخلص الشّاطبي من هذا التّنازع بين الأدلة المتعارضة النّتيجة الآتية : أنّه لا ينبغي إذن أن نرفض جملة ، أو نقبل قبولا عاما كلّ ما يترتب على النّظر في المسببات ، ولكن ضابطه أنّه إن كان الإلتفات إلى المسبب من شأنه التّقوية للسبب ، والتّكملة له ، والتّحريض على المبالغة في إكماله ، فهو الّذي يجلب المصلحة ، وإن كان من شأنه أن يكر على السّبب بالإبطال ، أو بالإضعاف ، أو بالتهاون به ، فهو الّذي يجلب المفسدة (٣).
ومع اعترافنا بضرورة التّفرقة بين الإعتبارين ، فإنّ صياغتنا للفكرة سوف تكون مختلفة إختلافا يسيرا.
هنالك أوّلا حالات تصلح فيها هذه الطّريقة في تقدير الأعمال بنتائجها الموضوعية ، الّتي يمكن أن تستتبعها ، لا في رفع درجة تشددنا الأخلاقي فحسب ، أو في النّظر بعين الخطورة إلى أخطاء كنّا من قبل نعتبرها أقل خطرا ، بل إنّ هذه الطّريقة قد تصلح أحيانا في تغيير طبيعة أحكامنا ذاتها ، المتعلقة بهذا العمل ، أو ذاك.
فهل هناك ما هو أكثر منافاة للقانون من ترك الجريمة دون عقاب ، وترك
__________________
(١) الذّاريات : ٥٦ ـ ٥٧.
(٢) انظر ، إحياء علوم الدّين للغزالي : ٤ / ٨٨.
(٣) انظر ، الموافقات : ١ / ٢٣٥.
