فهذه بيّنات كافية لتأييد النّظرية ، الّتي ترى أنّ إخلاص النّيّة ينحصر في أن يستغرق الإنسان استغراقا مطلقا في العمل التّكليفي ، منقطعا عن أيّة نتيجة.
أمّا النّظرية المعارضة ، فليست هي الأخرى أقل استنادا إلى أسبابها الخاصة. ونبادر إلى القول بأنّها لا تزعم أنّها تضع في مكان هذا المبدأ مبدأ آخر أثمن منه ، وإنّما هي تنازع فقط في حقّ هذا المفهوم ، أن يستأثر بكلّ القيمة ، بحيث توصم كلّ إضافة ذات اعتبار آخر باللاأخلاقية. أي أنّ هذه النّظرية تريد أن ترينا عجز فكرة (العمل التّكليفي ، أو التّحريمي) عن أن تنشيء القوة اللازمة للعمل ، أو الإمتناع عنه ، والضّرورة الأخلاقية لأن يضاف إليها وجهتا النّظر الآتيتان :
أوّلا : من حيث الثّمرات الطّبيعية الّتي تحدد مضمون العمل ، وأهميته.
وثانيا : من حيث الأثر الّذي تتمثله الإرادة لنفسها ، والّذي يسوغ في نظرها ـ التّكليف الأخلاقي بالبدء في العمل.
وفي الواقع ، لنا أن نتساءل من هذه الوجهة الثّانية : كيف نمنع البطل الّذي يدافع عن وطنه ، والمصلح الّذي يبتغي إنهاض أمّته ، من أن يكون لهما أدنى تطلع إلى الهدف من نشاطهما ، ومن أن يكون لهما أي اهتمام ببلوغ الغاية من أعمالهما ..
إنّ إرادة قصر نظر هذين الرّجلين الصّالحين على العمل ، من حيث مضمونه العاجل ، والمباشر ، والرّغبة في أن نفرض عليهما هذه الغشاوة القاسية الّتي تحول بينهما وبين أن ينظرا إلى بعيد ، ألا يعني كلّ ذلك حرمانهما من منبع حماسهما ذاته؟ .. أليس معناه أننا نكلفهما ألا يباليا بأمن أمّتهما ، وتقدمها؟ ..
ومن هو ذلك الرّجل ذو النّشاط الوافر الّذي يقنع تمام القناعة ، بمجرد أن يسير
