لغايات معقولة ، تصبح بها الأشياء المباحة مستحبة أخلاقيا ، أو مأمورا بها.
ولذلك فإنّ الحكماء المسلمين لم يتميزوا بنوع خاص من الحياة ، وإنّما تجدهم يبرزون في كلّ مكان ، وفرصة ظهورهم في الحقل ، والمصنع ، والدّكان ، لا تقل عن فرصة ظهورهم في خلوة الزّهاد ، وصومعة الرّهبان.
سادسا : والواقع أنّ هنالك أمثلة نلمس فيها أجمل الشّواهد على البعد عن الغرض ، وهي أمثلة لا يهتم أصحابها بالحياة المادية إلّا لماما ، وفي مناسبات نادرة ، بقدر ما يصلح للقيام بحاجاتهم العاجلة ، دون الإحتفاظ بشيء إلّا ما يكفي للفترة ما بين عملين.
هناك رجال خلوا من أعبائهم الأسرية فعكفوا عكوفا كاملا على تثقيف قلوبهم ، وعقولهم. ومع أنّهم كانوا ملتزمين في الوقت نفسه بخدمة الدّولة ، في الجهاد العام ، وكانوا بذلك في كفالة الأمّة ـ فإنّهم لم يكونوا يلمسون من عطائها غير القوت الضّروري الّذي يضمن بقائهم ، ثمّ يهبون كلّ فائض بعد ذلك.
كانت هذه حال جماعة معروفة باسم (أهل الصّفة) (١) ، الّذين أشار إليهم القرآن في قوله تعالى : (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً) (٢) ، ومن الحالات الّنموذجية بين هؤلاء حالة أبي هريرة. وقد كان منهم أيضا من تتاح لهم فرصة الحصول على نصيبهم في توزيع عام ، وهم الّذين
__________________
(١) هو فقراء المهاجرين ، ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه ، فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه. انظر ، لسان العرب : ٩ / ١٩٥ ، مجمع البحرين : ١ / ٧٠ ، تاج العروس : ٣ / ٤٧٣.
(٢) البقرة : ٢٧٣.
