وهكذا نجد أنّ كسب الإنسان عيشه ، وأكله حتّى يشبع جوعه ، وارتداءه لباسا نظيفا ، واستخدامه للرفاهية ، ومسامراته البريئة ـ كلّ ذلك وغيره من الأعمال الكثيرة المماثلة ـ خال مطلقا من أي معنى أخلاقي ما دام هدفه الوحيد أن يمتعنا متاعا حسنا بالحياة ، حتّى ولو لم نقع في الإفراط المعيب.
وإذا كنّا نقضّي عمرنا في هذا ـ وهذه بكلّ أسف حالة الجمهرة من الصّالحين ـ فإنّ جملة متاعنا سوف تكون بلا وزن ، ولا قيمة ، ولن يكون لنا أي رصيد أخلاقي ، كما أنّ وجودنا الثّاني سوف يكون مفتقرا بنفس النّسبة. في حين أنّ هذه الأعمال ذاتها يمكن أن تصير ثروات أخلاقية ، إذا ما تدخلت أسباب شرعية مرضية لتسد النّقص في وجهتها ، مثلا ، حين أحافظ على بدني ، من أجل أن أطيق بشجاعة تحمل الواجبات الّتي كلفت بها ، وحين أقصد بأحاديثي العادية المحضة أن أوثق صداقة نزيهة مع إخواني ، وحين أمارس نشاطي في الميدان الإقتصادي فأتصور شيئا آخر غير مجرد المتعة بالتملك ، سواء أكنت أريد أن أجنب أسرتي ، أو أجنب نفسي مغبة العيش عالة على المجتمع ، أم كنت أحبّ أن أنشر السّعادة بين هؤلاء الّذين هم أقل حظا ، أن أتيح لجماعات من النّاس أن يكسبوا عيشهم بشرف ، أن أزيد في ازدهار بلدي ، أو أزيد في قيمة هذا الصّنع الإلهي بصورة أعم ، هذه الكرة الأرضية الّتي استخلفنا الله فيها ، كيما يتيح لجميع المخلوقات الّتي تسكنها أن تعيش ، وتتنعم ، وتمجد خالقها.
وهكذا نجد أنّ الحكمة الإسلامية لم تعين حدّا إجباريا لكسبنا الشّريف ، وإنّما فرضت على عقلنا تلك الطّريقة في رؤية أعراض هذه الدّنيا على أنّها غير جديرة بأن نطلبها ، لا من أجل ذاتها ، ولا من أجل ما قد تجلبه لنا من متعة ، ولكن نطلبها
