يقومون بتوزيعه ، ولكن عدم الإهتمام بمثل هذه الأشياء جعلهم ينسون أنفسهم ، وهو ما حدث مع عائشة أمّ المؤمنين.
وكان منهم أخيرا أناس لم يترددوا ، وهم على علم تام بنتيجة عملهم ، أن يهبوا إخوانهم ما كانوا هم بحاجة إليه ، ونزل فيهم قوله تبارك وتعالى : (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) (١) ، وقد قدمت لنا أيضا عائشة مثالا رائعا على هذا الإيثار ، وهذه الغيرية ، فيما رواه مالك في موطئه قال : «بلغني عن عائشة زوج النّبي صلىاللهعليهوسلم أنّ مسكينا سألها وهي صائمة ، وليس في بيتها إلّا رغيف ، فقالت لمولاة لها : أعطيه إياه ، فقالت : ليس لك ما تفطرين عليه ، فقالت : أعطيه إياه ، قالت : ففعلت ... إلخ ..» (٢).
وبذلك نرى ما كانت تستهدفه هذه الأنفس الشّريفة ، فما كان لإغراء المنافع المشروعة ، في الحياة المادية ، أن يستميلهم ، ويضطرهم إلى طلبها ، أو استعمالها عند ما تكون في متناول أيديهم. لقد اقتعدوا قمّة السّلم الأخلاقي ، بحيث ما كان لأمر ينشأ عن ذلك ألهم المادي أن يحملهم على الهبوط منها ، حتّى لو كان في صورة موافقة ، أو دعوة إلى الخير الأخلاقي الشّائع ، المفضل ، أللهمّ إلّا أن تصبح هذه الدّعوة تكليفا ، بمعنى أن يكون أمرها أمر حفاظ على الحياة بالمعنى الدّقيق للكلمة ، فحينئذ يكون لهم فضل النّزول في النّهاية ، ولكن بقدر ما يؤدون هذا الواجب المحدد ، الملح إلى أقصى حدّ ، ثمّ يصعدون مرة أخرى إلى مكانهم
__________________
(١) الحشر : ٩.
(٢) انظر ، موطأ الإمام مالك : ٢ / ٩٩٧ ح ١٨١٠ ، تفسير القرطبي : ١٨ / ٢٦ ، شعب الإيمان : ٣ / ٢٦٠ ح ٣٤٨٢ ، التّرغيب والتّرهيب : ٢ / ٨ ح ١٢٨٦ ، شرح الزّرقاني : ٤ / ٥٤٢.
