وإنّما تبدأ الحياة الأخلاقية عند ما يكون سعينا إلى العيش المشروع نتيجة إختيار واع ، منطلقه الّتمييز بين الخير ، والشّر ، وقاعدته الإمتناع عما هو محرّم ، والإلتزام بإستعمال المباح وحده. ومع ذلك فهذه ليست سوى بداية ، لأنّه إذا كان مستحبا بلا ريب أن يمتنع المرء إراديا عن الشّر عند ما يعرض له ، فليس الأمر كذلك حين يبيح لنفسه استعمال شيء لم يذمه القانون الأخلاقي ، فالإباحة ليست الوصية ، وهذه أدنى من التّكلف.
إنّ الإباحة بالمعنى الواسع للكلمة هي عدم التّعارض مع الشّرع ، ولكنها بالمعنى الدّقيق الّذي نريده هنا هي : الإمكان الأخلاقي للعمل ، أو عدم العمل ، غير أنّ الممكن لا يحمل في ذاته كلّ سبب وجوده. فهو وإن كان «شرطا ضروريا» لكلّ وجود ـ إلّا أنّه ليس «بالشرط الكافي».
وإذن ، يجب أن نبحث في مكان آخر عن المبدأ الّذي يضطرنا إلى استعمال حقنا بدلا من أن نهمله ، ففي هذا المبدأ تكمن قيمة إختيارنا.
فما ذا يكون هذا المبدأ؟ .. إنّ الحالات الثّلاث الآتية تجيب عن هذا السّؤال.
رابعا : عند ما نسأل أنفسنا : لما ذا نبحث عن رفاهيتنا المشروعة؟ .. فإننا نقتصر أحيانا على أن نقول لأنفسنا : لأنّه غير محرّم ، دون إعتبار للبواعث
__________________
ـ (الوطنية) المحدودة ، وهو الّذي لا يستحق مطلقا لقب (المجاهد في سبيل الله) ـ انظر البخاري : ٦ / ٧١٤ ح ٢٠٧٠ (الرّجل يقاتل شجاعة ، والرّجل يقاتل حمية) ـ فهؤلاء الرّجال يبقون على هامش الأخلاقية.انظر ، تفسير ابن كثير : ١ / ٢٢٨ ، صحيح مسلم : ٣ / ١٥١٣ ح ١٩٠٤ ، سنن الترمذي : ٤ / ١٧٩ ح ١٦٤٦ ، المصنّف لعبد الرّزاق : ٥ / ٢٦٨ ح ٩٥٦٧ ، مسند أحمد : ٤ / ٣٩٧ ، مسند أبي يعلى : ١٣ / ٢٣٤ ح ٧٢٥٣ ، المستدرك على الصحيحين : ٢ / ١٢١ ح ٢٥٢٥ ، صحيح ابن حبّان : ١٠ / ٤٩٣ ح ٤٦٣٦.
