أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) (١).
ثانيا : بيد أنّ الذنب الأخلاقي لن يكون أدنى ، إذا كان الجهد الّذي يبذل لتحاشي هذه الطّريقة المنحرفة ، أو تلك ـ مفروضا فقط ؛ بالإكراه ، أو بالإرهاب ، يمارسه الآخرون ضدنا ، وبحيث إنّه لو لا وجود هذا المنع الخارجي لكنّا قد تجاوزنا الحدّ ، وخالفنا الشّرع بإتيان هذه الطّريقة ، على الرّغم من كونها منكرة. ففي هذه الحالة أيضا يكون المرء تحت حكم الهوى ، ما دام يخضع مكرها لتنفيذ حرفية الشّرع ، والقرآن يسجل من هذا النّوع مواقف ، في قوله تعالى : (وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ) (٢) ، وقوله : (وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ) (٣).
ثالثا : لنفترض الآن أنّ هذا الخبث الرّوحي غير موجود ، ولكن ها هو ذا رجل توفر له مهنته العادية أن يعيش شريفا أمينا ، فلنفترض أنّ ارتباط هذا الرّجل بنوع حياته كان بحيث يستشعر كراهية عميقة لكلّ كسب خبيث ، لا لأنّه يعتبره مذموما من النّاحية الأخلاقية ، لأنّ مسألة من هذا القبيل لم تخطر له قط ، ولكن لأنّه ضد مزاجه ، أو عاداته. فهذه الحالة المسالمة الّتي لا تضر ، هذه الغيبة التّلقائية للشرّ ـ إنّما تنشىء براءة الغريزة الصّبيانية ، لا انتصار الإرادة العاقلة (٤).
__________________
(١) الفرقان : ٤٣ ـ ٤٤.
(٢) التّوبة : ٩٨.
(٣) التّوبة : ٥٤.
(٤) تشبه حال هذا الرّجل حال من يقاتل في صفوف المؤمنين ، مدفوعا بعاطفة الشّجاعة وحدها ، أو بدافع ـ
