عبوديتهم لله ، وأن يحدوهم على الخيرات ، ولا يدعوهم إليها ، فصاحب التّقوى بمنزلة رجل خرج من الحمام ، وقد تطهّر من الأدناس ، والأوساخ ، ولبس ثيابا بيضا ، فإذا رأى غبارا ، أو هاجت رياح ، توقّى على رأسه ، ولحيته ، وثيابه أشدّ التّوقي» (١).
ويقول الإمام الغزالي : «التّقوى صفة قلب مال عن حبّ الدّنيا ، وبذلها إيثارا لوجه الله تعالى» (٢).
ولقد يبدو غريبا أن نخص بالصدارة جانبا ذاتيا من الواجب ، وهو جانب لا يعتبر سوى مرحلة بعيدة من مراحل الخير الفعلي. والواقع أنني لا أستطيع أن أنقذ حياة جاري ، أو أوفر له حقّه في العيش الرّغيد لمجرد حبّي الباطني له. هذا صحيح. ولكن ، يجب ـ أوّلا ـ ألا نبالغ إلى غير ما حدّ ـ في دور النّتيجة النّهائية في أداء الواجب. فمن المعلوم أنّ هذه النّتيجة النّهائية لا تصدر فقط عن جهدنا الأخلاقي ، ولا عن نشاطنا البدني ، ولكنها تتطلب تعاون مجموعة كبيرة من الظّروف الطّبيعية ، وحتّى ما فوق الطّبيعية. وحينئذ يصبح واجبنا محصورا في أضيق الحدود ، فهو يقتصر على استعمال الوسائل الّتي في حوزتنا ، وليس عليه أن يوصلها إلى غايتها. ومن ثمّ فإنّ العقل ، والقلب ، والبدن ، تبدو لنا كلّها أسبابا ،
__________________
(١) انظر ، الحكيم التّرمذي ، الأكياس ، والمغترين : ٩٩ ـ ١٠٠ من المخطوطة ١٠٤ تصوف بالمكتبة الظّاهرية بدمشق ، وقد نقل المؤلف النّص بمعناه ، ورجعنا إلى الأصل فنقلناه بحرفه ، وربما التّبست عبارة التّرمذي : (وأن يحدوهم على الخيرات ، ولا يدعوهم إليها) ـ على فهم القارىء ، وأهل المراد : أنّ التّقي يحمل النّاس على الخيرات حملا بفعله ، ويدفعهم إليها ، ولا يكتفي بمجرد الدّعوة اللّسانية. والله أعلم. «المعرب».
(٢) انظر ، إحياء علوم الدّين للغزالي : ٤ / ٣٥٧.
