وإذن ، فلكي يمكن أن تكون قاعدة معينة ملتزمة عن إرادة يجب أن تكون معلومة من قبل ، ولذلك قسم النّبي صلىاللهعليهوسلم القضاة إلى ثلاث طوائف : واحدة منها هي النّاجية ، فقال : «قاضيان في النّار ، وقاض في الجنّة ، فالذي في الجنّة رجل عرف الحقّ فقضى به ، والّذي في النّار رجل قضى للناس على جهل ، ورجل عرف الحقّ فقضى بخلافه» (١).
ويجب أن نعترف بأنّ هذه الأقوال توقظ فينا أعمق ألوان القلق على أنفسنا ، وإذا كان التّحديد السّليم للأخلاقية ينحصر في هذه المطالب الثّلاثة ، فما الّذي يضمن لنا أننا سنسير طبقا له ..؟ ... وما الّذي يضمن لنا أننا ـ في حالة معينة سوف نعرف ، ونتبع الشّرع الموضوعي الّذي يحكم هذه الحالة في الواقع؟ وإذا كان من واجب النّيّة القلقة أن تجرّم ، وتتهم النّفس الأمارة المتمردة ، فبأي حقّ يستطيع الإنحراف اللإرادي أن يبطل أعمالنا ، على حين أنّه ليس بيدنا أن نتجنب الخطأ؟ ..
وإذا كنّا ـ من ناحية أخرى ـ نريد الخير ، ونقع بجهلنا في الشّر ، ثمّ لا تكفي نيتنا الحسنة لتبرئتنا ، ولا تبلغ على وجه الدّقة سوى عفو متسامح ، فهل تكون جهودنا الّتي نبذلها في البحث عن الحقيقة ـ إذن ـ باطلة ، بلا قيمة ، وبلا جزاء ، بحكم إخفاقها؟ ..
__________________
(١) انظر ، صحيح التّرمذي : ٣ / ٦١٣ ح ١٣٢٢ ، المستدرك على الصّحيحين : ٤ / ٩٠ ، كشف القناع : ٦ / ٣٦٣ ، المعجم الأوسط : ٧ / ٣٩ ، الفردوس بمأثور الخطاب : ٣ / ٢٣٥ ح ٤٦٩٥ ، مسند زيد : ٢٩٥ ، شرح الأزهار : ٤ / ٣٠٩ ، المجموع : ٢٠ / ١٢٧ ، السّنن الكبرى : ١٠ / ١١٧ ، فيض القدير : ٤ / ٥٣٨ ، كشف الخفاء : ٢ / ١٢٦ ح ١٨٧٨.
