إنّما يعرف كونها خيرات بالشرع ، فكيف يمكن أن يكون الخير شرّا؟! .. هيهات ... ثمّ يقول : من قصد الخير بمعصية عن جهل فهو غير معذور (١) ، إلّا إذا كان قريب العهد بالإسلام ، ولم يجد بعد مهلة للتعلم» (٢).
ومع ذلك ، فإننا نضيف أنّه إذا كان الجهل عذرا فهل بوسعه أن يرقى بالنّيّة الخاطئة إلى مرتبة مبدأ من مبادىء الأخلاقية؟ .. إذا كان الأمر كذلك فلما ذا كان من الضّروري أن يخرج المرء من هذا الجهل ، وأن يرجع عن أخطائه؟.
إنّ النّبي صلىاللهعليهوسلم لم يقصد بقوله : «إنّما الأعمال بالنّيّات» (٣) ـ أنّ الأعمال لا تقوّم ، ولا توجد إلّا بالنّيّات ـ فحسب ، بل قال أيضا عن عائشة رضي الله عنها : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (٤) ، أليس هذا هو أفضل برهان على أنّ
__________________
(١) إذا كانت النّيّة الحسنة (الّتي عرفت على أنّها خطأ في الشّعور بالصفة الأخلاقية للعمل نفسه) ـ منكرة إلى هذا الحدّ ، فما القول حينئذ في الحالة الأخرى الّتي يطلق عليها بنفس القدر من الإبتذال : نيّة حسنة ، وذلك عند ما يعتقد الفاعل ـ مع أنّه يرى في شغله خطأ جوهريا ـ أنّه يحلله ، ويضفي عليه صفة الشّرعية ، حين يريد به أن يسهم في عمل خير؟ ... وهكذا يفعل المزيفون من الوعاظ ، والدّعاة إلى الإيمان ، فهم بعد أن يخترعوا كلمات وعظية معسولة ، يضعونها على لسان النّبي ، حتّى يحثوا النّاس ـ كما يزعمون ـ على الفضيلة ، ومثلهم المجددون في طقوس العبادة ، بزعم تمجيد الله. ويحشر في زمرة هؤلاء أصحاب المطامع السّياسية ، الّذين يبيدون خصومهم الأبرياء بدعوى خدمة الوطن ـ إنّهم جميعا يذكروننا بالقصة المروية منذ قديم ، قصة المرأة الفاجرة الّتي أرادت أن تتصدق بكسبها الخبيث!! .. كلا ... فإنّ أجمل الغايات ، وأعدلها في ذاتها لا يسوّغ الوسائل الّتي لا يقرها القانون الأخلاقي ، على أنّها وسائل مشروعة.
(٢) انظر ، إحياء علوم الدّين للغزالي : ٤ / ٣٥٧ ـ ٣٥٨ ـ طبعة الحلبي.
(٣) انظر ، صحيح البخاري : ١ / ٣ ح ١ ، صحيح ابن حبّان : ٢ / ١١٣ ح ٣٨٨ ، سنن أبي داود : ٢ / ٢٦٢ ح ٢٢٠١ ، سنن ابن ماجه : ٢ / ١٤١٣ ح ٤٢٢٧ ، المعجم الأوسط : ١ / ١٧ ح ٤٠ ، الفردوس بمأثور الخطاب : ١ / ١١٨ ح ٤٠١.
(٤) انظر ، صحيح مسلم : ٣ / ١٣٤٣ ح ١٧١٨ ، تفسير القرطبي : ١ / ٣٥٨ ، صحيح البخاري : ٢ / ٧٥٣ ـ
