لا يكفي بداهة لرفع آثار العمل المقترف ، وعليه ، فإنّ التّوبة بهذا المعنى لا تؤدي وظيفتها الإصلاحية ، في الأخلاق الإسلامية ، ففي هذه الأخلاق يقصد (بالتوبة) في الواقع موقف للإرادة أكثر تعقيدا ، موقف ينظر إلى الماضي ، والحاضر ، والمستقبل ، ويتجلى في الأفعال ، لا في إتخاذ خط سلوك جديد فحسب ، ولكن أيضا في إعادة تجديد البناء الّذي تهدم بصورة منهجية. وتعبير القرآن تعبير بناء جدا في هذا الصّدد ، فهو يضيف دائما إلى كلمة (تاب) كلمات أخرى مثل : (وَأَصْلَحَ) ـ أو ـ (وَأَصْلَحُوا) (١) ، أو قوله : (ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا) (٢) ، فهو مجموع من الشّروط الّتي جعلها ضرورية لكسب الغفران الموعود.
وأوّل دليل على التّوبة النّصوح ، هو الواجب الآنيّ المعجل ، الّذي بدونه تصبح فكرة التّوبة متناقضة. هذا الواجب ينحصر في العدول السّريع عن الذنب ، أعني : إيقاف الشّر الّذي كان المذنب يوشك أن يجترحه.
ثمّ تأتي من بعد ذلك عمليتان إيجابيتان تكملان هذا الدّليل ، هما : إصلاح الماضي ، وتنظيم مستقبل أفضل. وفكرة (الإصلاح) هي وحدها الّتي تبقى غامضة ، لا يستطاع تحديدها كمفهوم له معنى وحيد ، وهي تبدو لنا ـ في الواقع ـ تغير من طبيعتها ، تبعا لنوع الخطأ الواجب إصلاحه.
فإذا كان الخطأ في واجب أهمل ، وما زال الأمر به قائما ، فإنّ الإصلاح ينبغي أن يتمثل في قضاء حقيقي ، ذي طابع أخلاقي ، فكلمة (أصلح) هنا تعني (تدارك) ، فالعمل النّاقص يجب أن يعاد ، ويؤدى بطريقة مناسبة ، آجلا ، أو
__________________
(١) البقرة : ١٦٠ ، والأنعام : ٥٤ ، والنّحل : ١١٩.
(٢) المائدة : ٩٣.
