يرى أنّ العمل الإرادي لا يختلف عن العمل اللاإرادي إلّا في الظّاهر ، ذلك أنّ الإنسان عاجز عن أن ينشىء أقل حركة ، فهو بين يدي الله «كريشة تصرّفها الرّيح».
ومع ذلك ، فإنّ الفرقتين تنتميان إلى جانب المتشددين المسلمين وتستشهدان لدعم آرائهما بمجموعة من النّصوص القرآنية. والحقّ أننا نجد في أصل هذه المناقشة تناقضا أساسيا في فهم الصّفات الإلهية ، الّتي لا يتم كمال إحداها إلّا على حساب كمال الأخرى. ذلك أنّ القرآن يعلن من ناحية : (اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (١) ، وإذا كان الحديث مطلقا على هذا النّحو ، فليس أمام الإنسان سوى أحد أمرين ، فإمّا أن يقنع بدور الآلة ، وإمّا أن يمنح صفة شريك لله. ولكنها هي ذي نصوص أخرى ليست أقل تأكيدا ، وهي تعلن أنّ الله سبحانه هو الموجود العادل بحقّ : (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) (٢) ، (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (٣).
وفي هذه الظّروف ، لا يستطيع أحد أن يتصور أنّ الله سبحانه قد أقر شريعة الواجب الإنساني بما تستتبعه من مسئولية وجزاء ـ دون أن يكون قد زوّد
__________________
ـ عسكر الحارث بن سريح الخارج على أمراء خراسان ، فقبض عليه نصر بن سيار ، وأمر بقتله فقتل سنة ١٢٨ ه. انظر ، الأعلام للزركلي : ٢ / ١٣٨ ، الملل والنّحل : ١ / ٧٩ ـ ٨١ ، وانظر ، نظريته في إعانة الطّالبين للبكري : ٢ / ٥٦ ، كشف القناع للبهوتي : ٤ / ٥٧٤ ، شرح اصول الكافي : ٣ / ٢٣٠ ، تأريخ الجهمية والمعتزلة : ٤٤ وما بعدها.
(١) الزّمر : ٦٢.
(٢) النّساء : ٤٠.
(٣) يونس ٢ : ٤٤.
