بالله هو الحد الوسط بين الإفراط والتفريط ، فالفعل فعل العبد وهو فاعله باختياره ، ولذلك استحق عليه الثواب أو العقاب ، والله سبحانه هو الذي يفيض على العبد الحياة والقدرة وغيرهما من مبادئ الفعل إفاضة مستمرة غير منقطعة ، فلا استقلال للعبد ، ولا تصرف له في سلطان المولى ، وقد أوضحنا هذا في بحثنا عن إعجاز القرآن (١).
هذه هي الاستعانة المنحصرة بالله تعالى ، فلو لا الإفاضة الإلهية لما وجد فعل من الأفعال ولو تظاهرت الجن والإنس على إيجاده ، فإن الممكن غير مستقل في وجوده ، فيستحيل أن يكون مستقلا في إيجاده ، وبما ذكرناه يظهر الوجه في تأخير جملة : (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) عن قوله : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) فإنه تعالى حصر العبادة بذاته أولا ، فالمؤمنون لا يعبدون إلا الله ، ثم أبان لهم أن عباداتهم إنما تصدر عنهم بعون الله وإقداره ، فالعبد رهين إفاضة الله ومشيئته ، والله أولى بحسنات العبد من نفسه ، كما أن العبد أولى بسيئاته من الله (٢).
الشفاعة :
ل الآيات المباركة على أن الله سبحانه هو الكافل بامور عبيده ، وأنه الذي بيده الأمر ، يدبر شئون عبده ويوجهه إلى كماله برحمته ، وهو قريب منه ، يسمع نداءه ويجيب دعاءه :
(أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ٣٩ : ٣٦. وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) «٢ : ١٨٦».
__________________
(١) في الصفحة ٣٥ من هذا الكتاب.
(٢) انظر التعليقة رقم (٢٥) للوقوف على الأمر بين الأمرين في كسب الحسنات وارتكاب السيئات ـ في قسم التعليقات.
