إذا عرفت هذا فاعلم أنّ من جملة العوالم المتطابقة المتساوية في جهة العرض المتفقة في مراتب الطول عالمي التكوين والتدوين ، فإنهما واقعان في عرض واحد لا بفصل أحدهما عن الآخر بشيء أصلا إلّا أنّ الثاني ظلّ الأوّل ومرآته ، وهو مشتمل على جميع المراتب الكلية والحقائق الإلهية ، واللوامع النورانية المطوية في كينونة الأول.
وإن شئت فتح الباب وكشف الحجاب فاعلم ، أنّ للصادر الأول تجليّا وظهورا في عالم التكوين ، وهو المعبّر عنه بالمشيّة الفعلية التي خلق الله تعالى بها جميع الكينونات وهو الوجود المطلق ووجه الحق وأنّ له تجليا وظهورا في عالم التدوين ، وأوّل ظهوره فيه هو الحروف النورانية العلميّة السارية في جميع الحقائق في عالم الأنوار ، ثم في عالم العقول ، ثم في عالم العقول ، ثم في عالم الأرواح ، ثم في عالم النفوس ، ثم في عالم المعاني الكلية ، ثم في عالم المعاني الجزئية ، ثم في عالم الحروف النفسية ، ثم في عالم الحروف اللفظية ، ثم في عالم الحروف النقشية ، وهذه الحروف أصل القرآن وحقيقته وبسائطه ، بل أصل الأشياء كلها في صقع التدوين ، ولذا قال مولينا الرضا عليهالسلام عليه والتحية والثناء في خبر عمران الصابي (١) :
اعلم أن الإبداع والمشية والإرادة معناها واحد وأسمائها ثلاثة وكان أوّل إبداعه وإرادته ومشيته الحروف التي جعلها أصلا لكل شيء ودليلا على كل مدرك ، وفاصلا لكل مشكل ، وبتلك الحروف تفريق كل شيء من اسم حق أو باطل ،
__________________
(١) عمران الصابي كان من المتكلمين في عصر المأمون ، وكان منحرفا ولكن هداه الله بنور السّلام لمّا باحث مع الامام الرضا عليهالسلام ، وظهر له الحق فخرّ ساجدا ، وأسلّم وولاه الرضا عليهالسلام صدقات بلخ.
![تفسير الصراط المستقيم [ ج ١ ] تفسير الصراط المستقيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4045_tafsir-alsirat-almustaqim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
