فاجتمعت قريش عنده ليريدوا بالنبي سوءا قال أبو طالب وأنشد فيه :
|
والله لن يصلوا إليك بجمعهم |
|
حتى أوسد (١) في التراب دفينا |
|
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة (٢) |
|
وابشر وقرّ بذاك منك عيونا |
|
فدعوتني وزعمت أنك ناصحي (٣) |
|
ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا |
|
وعرضت دينا قد علمت بأنه |
|
من خير أديان البرية دينا |
|
لو لا الملامة (٤) أو حذاري سبّة(٥) |
|
لوجدتني سمحا بذاك مبينا |
كان ينهى الناس عن أذى محمد صلىاللهعليهوسلم ويتباعد هو عنه فلا يتبع دينه ، فنزل هذا.
__________________
ـ عليه. ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له : يا أبا طالب إن لك سنا وإن لك شرفا ومنزلة فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين ، أو كما قالوا له ثم انصرفوا عنه.
فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلىاللهعليهوسلم إليهم ولا خذلانه ، فأرسل خلفه فقال : يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا ـ للذي كانوا قالوا له ـ فأبق على نفسك وعليّ ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.
فظن أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قد بدا لعمه فيه بداء وأنه خاذله ومسلمه ، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه. فقال له رسول الله صلىاللهعليهوسلم : يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ، ثم استعبر رسول الله صلىاللهعليهوسلم فلما ولى ناداه أبو طالب : اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت ؛ فو الله لا أسلمك لشيء أبدا. ثم قال أبو طالب :
|
والله لن يصلوا إليك بجمعهم |
|
حتى أوسد في التراب دفينا |
|
فامض لأمرك ما عليك غضاضة |
|
وابشر وقر بذاك منك عيونا |
|
ودعوتني وزعمت أنك ناصحي |
|
فلقد صدقت وكنت ثم أمينا |
|
لو لا الملامة أو حذاري سبة |
|
لوجدتني سمحا بذاك مبينا |
قال في الروض : خص رسول الله صلىاللهعليهوسلم الشمس باليمين لأنها الآية المبصرة وخص القمر بالشمال لأنه الآية الممحوة ، وخص صلىاللهعليهوسلم النيرين حين ضرب المثل بهما لأن نورهما محسوس ، فالنور الذي جاء به من عند الله ، وهو الذي أرادوه على تركه ، هو أشرف لا محالة من النور المذكور. قال الله تعالى : (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ)[التوبة : ٣٢] فاقتضت بلاغة النبوة لما أرادوه على ترك النور الأعلى أن يقابله بالنور الأدنى وأن يخص أعلى النيرين وهي الآية المبصرة بأشرف اليدين وهي اليمين ، بلاغة لا مثلها وحكمة لا يجهل اللبيب فضلها. ا. ه.
ينظر سبل الهدى والرشاد (٢ / ٤٣٦ ـ ٤٣٧).
(١) أوسد : أوضع. ينظر سبل الهدى (٢ / ٤٤٠) ، لسان العرب [وسد].
(٢) غضاضة : نقصان. ينظر لسان العرب [غضض].
(٣) في أ : ناصح.
(٤) الملامة : العذل. ينظر لسان العرب [لمم]
(٥) في ب : لو لا الدمامة أو أحاذر سبة ، والسّبة بالضم : العار. ينظر : لسان العرب (سب).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٤ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3970_tawilat-ahl-alsunna-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
