قال أبو بكر الكيساني : قوله : (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ) : ليس من جنس ما ذكر من قوله : (آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) ؛ لكنه صلة قوله : (يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ) [الأعراف : ٣٥] ، يقول فيما تقدم ذكره : (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها).
وأما عندنا : فإنه يستقيم أن يجعل صلة ما تقدم ، أي : لا نكلف نفسا من الأعمال الصالحات إلا وسعها ، بل نكلفها (١) دون وسعها ودون طاقتها (أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ).
وقال الحسن : قوله : (لا نُكَلِّفُ نَفْساً) : إلا ما يسع ويحتمل ، وهو صلة قوله : (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا) ، يقول : لا يكلف نفسا إلا ما يسع ويحتمل ، لا ما لا يسع ولا يحتمل (٢).
قوله ـ عزوجل ـ : (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ).
قال القتبي (٣) : الغل : الحسد والعداوة.
وقيل (٤) : الغل والغش واحد ، وهو ما يضمر بعضهم لبعض من العداوة والحقد.
وقيل (٥) : الغل : الحقد.
ثم اختلف فيه :
قال بعضهم (٦) : قوله : (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ) : في الدنيا ، ينزع الله ـ عزوجل ـ من قلوبهم الغل ، يعني : [من](٧) قلوب المؤمنين ، ويجعلهم إخوانا بالإيمان ؛ كقوله : (إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً) [آل عمران : ١٠٣] الآية ، أخبر أنهم كانوا أعداء فألف بين قلوبهم بالإيمان الذي أكرمهم به ؛ حتى صاروا إخوانا بعد ما كانوا أعداء.
قال الحسن (٨) : ليس في قلوب أهل الجنة الغل والحسد ؛ إذ هما يهمان ويحزنان ؛ إنما فيها الحب.
__________________
(١) في أ : كلف.
(٢) في ب : ولا يحمل.
(٣) أخرجه بمعناه ابن جرير (٥ / ٤٩٢ ـ ٤٩٣) (١٤٦٦٤) عن الضحاك وذكره السيوطي في الدر (٣ / ١٥٨) وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن الضحاك.
(٤) ذكره بمعناه البغوي في التفسير (٢ / ١٦٠).
(٥) ذكره أبو حيان في البحر المحيط (٤ / ٣٠١).
(٦) انظر تفسير الخازن والبغوي (٢ / ٥٠٨).
(٧) سقط في أ.
(٨) ذكره بمعناه السيوطي في الدر (٣ / ١٥٨) وعزاه لابن أبي حاتم عن الحسن البصري مرسلا.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٤ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3970_tawilat-ahl-alsunna-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
