والبغي : هو من مظالم الناس يظلم بعضهم على بعض (١).
__________________
ـ لما حرم الكبيرة أردفه بتحريم مطلق الذنب ؛ لئلا يتوهم أن التحريم مقصور على الكبيرة ، وهذا اختيار القاضي.
وقيل : إن الفاحشة وإن كانت بحسب اللغة اسما لكل ما تفاحش وتزايد في أمر من الأمور ، إلا أنه في العرف مخصوص بالزنى ، ويدل على ذلك قوله تعالى في الزنى : (إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً)[الإسراء : ٣٢] ، ولأن لفظ الفاحشة إذا أطلق لم يفهم منه إلا ذلك.
وإذا قيل : فلان فحاش ، فهم منه أنه يشتم الناس بألفاظ الوقاع ؛ فوجب حمل لفظ الفاحشة على الزنى ، فعلى هذا يكون «ما ظهر منها» أي : الذي يقع منها علانية ، و «ما بطن» أي : الذي يقع منها سرّا على وجه العشق والمحبة.
وقيل : «ما ظهر منها» : الملامسة والمعانقة ، و «ما بطن» : الدخول.
وأما «الإثم» فالظاهر أنه الذنب.
وقيل : هو الخمر ، قاله المفضل ، وأنشد القائل في ذلك :
|
نهانا رسول الله أن نقرب الزنى |
|
وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا |
وأنشد الأصمعي :
|
ورحت حزينا ذاهل العقل بعدهم |
|
كأني شربت الإثم أو مسني خبل |
قال : وقد يسمى الخمر إثما ؛ وأنشد القائل :
|
شربت الإثم حتى ضل عقلي |
|
كذاك الإثم يذهب بالعقول |
ويروى عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ والحسن البصري أنهما قالا : «الإثم : الخمر».
قال الحسن : وتصديق ذلك قوله : (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ)[البقرة : ٢١٩].
والذي قاله الحذاق : إن الإثم ليس من أسماء الخمر.
قال ابن الأنباري : «الإثم لا يكون اسما للخمر ؛ لأن العرب لم تسم الخمر إثما ، لا في جاهلية ولا في الإسلام ، وقول ابن عباس والحسن لا ينافي ذلك ؛ لأن الخمر سبب الإثم ، بل هي معظمه ؛ فإنها مؤججة للفتن ، وكيف يكون ذلك وكانت الخمر حين نزول هذه السورة حلالا ؛ لأن هذه السورة مكية ، وتحريم الخمر إنما كان في «المدينة» بعد «أحد» ، وقد شربها جماعة من الصحابة يوم أحد فماتوا شهداء ، وهي في أجوافهم.
وأما ما أنشده الأصمعي من قوله :
|
شربت الإثم ..... |
|
..................................................... |
فقد نصوا على أنه مصنوع ، وأما غيره فالله أعلم.
وقال بعض المفسرين : «الإثم : الذنب والمعصية».
وقال الضحاك ـ رحمهالله ـ : «الإثم : هو الذنب الذي لا حد فيه».
ينظر : اللباب (٩ / ٩٦ ، ٩٧) ، تفسير الرازي (١٤ / ٥٤) ، روح المعاني (٨ / ١١٢) ، والدر المصون (٣ / ٢٦٢ ، ٢٦٣) ، وتفسير القرطبي (٧ / ١٢٩).
(١) أكثر استعمال البغي في الأشياء المذمومة ، لا سيما إذا أطلق نحو : زيد بغى. وقد بغى زيد على عمرو.
وقال الراغب : والبغي على ضربين :
أحدهما : محمود ، وهو تجاوز الحق إلى الإحسان ، والفرض إلى التطوع.
والثاني : مذموم ، وهو تجاوز الحق إلى الباطل ، أو تجاوزه من الشّبه ، كما قال : «الحق بين ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٤ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3970_tawilat-ahl-alsunna-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
