قال أبو محمد : هذا من الحمق المزور. كيف يكون في الدنيا ، وبه خلقت الدنيا؟! لئن كان إلها كما يقولون ، فهو خلق الدنيا ، ولا يجوز أن تخلق به.
وإن كان إنما به خلقت الدنيا ولم يخلقها هو : فليس هو إلها ولا خالقا ، إنما هو آلة من الآلات ، خلقت الدنيا بها ، وحاشا لله أن يخلق بآلة ، لكن كما قال في وحيه الناطق إلى رسوله الصادق الذي لا يتناقض كلامه ، ولا تتعارض أخباره (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [سورة يس : ٨٢].
وأين يجتمع قوله هاهنا أنه به خلقت الدنيا مع الكذب الذي يضيفونه إلى المسيح من أنه قال بزعمهم : «أنه أخلق ، وأبي يخلق ، وإن لم أعمل كما يعمل أبي فلا تصدقوني».
حاشا لله من أن يقول نبي هذا الكذب وهذا الحمق إذ كان يكونان إلهين متغايرين اثنين كل واحد منهما غير الآخر ، وكل واحد منهما يخلق كما يخلق الآخر ، ثم مرة هو إله يخلق ، ومرة هو آلة يخلق بها. ألا هذا هو الضلال المبين ، والخيال المنتن.
فصل
وبعد ذلك قال : فمن تقبله منهم ، وآمن باسمه أعطاهم سلطانا أن يكونوا أولاد الله ، أولئك المؤمنون باسمه ، الذين لم يتوالدوا من دم ولا من شهوة اللحم ، ولا باه رجل لكن توالدوا من الله ، فالتحمت الكلمة ، والكلمة كانت بشرا ، وسكنت فيها ، رأينا عظمتها كعظمة ولد الله.
قال أبو محمد : في هذا الفصل من الكفر ما لو انهدت الجبال منه ، لكان غير نكير ، نسأل الله العافية.
أيها الناس : تأملوا قول هذا النذل ، إن المؤمنين بالمسيح هم أولاد الله ، فالنصارى كلهم إذن أولاد الله ، فأيّ ميزة للمسيح عليهم ، إذ هو ولد الله وهم أولاد الله؟ ثم انظروا لقول هذا المستخف المستهزئ بالسفلة الذين قلدوا دينهم مثله : إن المؤمنين بالمسيح لم يتوالدوا من دم ، ولا من شهوة اللحم ، ولا باه رجل ، ولكن توالدوا من الله هكذا هم!!
أهكذا توالد «يوحنا» من سبذاي وامرأته؟
ألا حياء من عظيم المجاهرة بالباطل والكذب؟
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ١ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3571_alfasl-fi-almilal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
