فإن قالوا : هذا مجاز. قلنا : في ما ذا؟ بل هو الكذب البحت البارد الأحمق ، وهذا نفسه قلتم عن المسيح. فما الفرق بين القولين؟
ولعل ذلك أيضا مجاز ، كما هذا مجاز ، فما رأينا أحمق من هؤلاء ، ولا أوقح من خدودهم.
ثم اعجبوا لقوله : «فالتحمت الكلمة وسكنت فيها» فكيف تصير الكلمة لحما ، وقد قال : إنها هي الله ، فالله إذا صار لحما ، وسكن في أولئك الأقذار. حسبنا الله ونعم الوكيل.
فصل
ثم قال إثر هذا : «إن الله لم يره أحد ما عدا ما وصف عنه الولد الفرد الذي هو في حجر أبيه».
قال أبو محمد : هذا عجب آخر ، قد قال آنفا : إن الكلمة هي الله ، وأنها التحمت ، وصارت لحما ، وسكنت فيهم ، فالله عزوجل على قولهم : صار لحما وسكن فيهم. فكيف لم يره أحد؟
ثم قوله : «إلّا ما وصف عنه الولد الفرد الذي هو في حجر أبيه».
فوجب من هذا : أن الولد غير الأب لأن من المحال الممتنع أن يكون الله في حجر نفسه فصح ضرورة أن الابن عندهم على نصوص الأناجيل هو غير الأب ، وهم لا يثبتون على هذا ، بل مرة هو والأب عندهم شيء واحد. وكل هذا منصوص في أناجيلهم ، وكل قضية منها تكذب الأخرى ، فكلها كذب بلا شك. ونعوذ بالله من الخذلان.
فصل
وفي الباب الأول من إنجيل يوحنا إذ ذكر شهادة يحيى بن زكريا ـ عليهماالسلام ـ إذ بعث إليه اليهود من «برشلام» ـ الكهنة واللاويين ، وكاشفوه عن نفسه. فأقرّ ولم يجحد وقال لهم : لست أنا المسيح.
قالوا : أتراك إلياس؟ قال : لا. قالوا : أفأنت نبي؟ قال : لا.
قال أبو محمد : كيف يكون هذا مع قول المسيح في إنجيل متّى ومارقش كما أوردنا قبل : إن كل نبوّة وكلّ كتاب فمنتهاها إلى يحيى. وقوله فيه : إنه أكثر من نبي ، فمرة هو نبي انتهت كل نبوة إليه ، ومرة : هو أكثر من نبي ، ومرة يقول هو عن نفسه : إنه ليس نبيا.
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ١ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3571_alfasl-fi-almilal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
