ونص كلام المسيح هاهنا يبين أنهما شيئان متغايران ، أحدهما يغفر لمن سبّه ، والآخر : لا يغفر لمن سبّه ، وهذا بيان دافع للإشكال جملة ، فإن كان المسيح هو ابن الإنسان ، فليس هو روح القدس أصلا ـ بنص كلامه. وإن كان هو روح القدس فليس هو ابن الإنسان كذلك أيضا. ولئن كان ابن الإنسان هو روح القدس فقد كذب المسيح ، إذ فرّق بينهما بجعل أحدهما يغفر لمن سبه ، والآخر لا يغفر لمن سبه وفي هذا كفاية.
فصل
وفي الباب الموفي عشرين من إنجيل لوقا : فلما بلغوا إلى الموضع الذي يدعى الأجرد صلبوه فيه ، وصلبوا معه السارقين العابثين عن يمينه وعن شماله.
فقال يسوع : يا أبتاه ، اغفر لهم ، لأنهم يجهلون ما يصنعونه ، ولا يدرون فعلهم.
قال أبو محمد : في هذا الفصل شنعتان عظيمتان على النصارى كافيتان في وساخة دينهم ، وبيان فساد كل ما هم عليه جهارا.
أولاهما : أن نسألهم فنقول لهم : المسيح إله عندكم أم لا؟
فمن قولهم : نعم. فيقال لهم : إلى من دعا ، ورفع طلبته؟
فإن كان دعا غيره ، فهو إله يدعو إلها آخر. وهذا شرك وتغاير بين الآلهة.
وهم لا يقولون هذا.
وإن كان دعا نفسه : فهذا هوس ، إنما حكمه أن يقول : قد غفرت لكم ، وهم يصرحون في الإنجيل : بأنه يغفر ذنوب من شاء. فأين كان عن هذه الصفة إذ يدعو إلها غيره؟
والثانية : أن يقال لهم : هل أجيبت دعوته هذه أم لا؟
فإن قالوا : لم تجب دعوته. قلنا : ليس في الخزي أكثر من إله يدعو فلا يستجاب له ولا في النحس فوق هذا.
وعلى هذا فما بيده من الربوبية إلا ذنب ثور ، شارد في حدود ، كما بيد سائر المخلوقين يدعو فيجاب مرة ، ولا يجاب مرة.
وإن قالوا : بل أجيبت دعوته. قلنا لهم : فاعلموا أنكم وأسلافكم كلكم في سبكم اليهود الذين صلبوه ظالمون لهم. وكيف يستحلون سبّ قوم قد غفر لهم إلههم ،
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ١ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3571_alfasl-fi-almilal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
