«يورشليم» طالبين له ، فوجداه في الثالث قاعدا مع العلماء في البيت وهو يسمع منهم ، ويكاشفهم ، فكان يعجب منه كلّ من سمعه ومن يراه ، من حسن حديثه وحسن مراجعته ، فقالت له أمه : لم أشخصتنا يا بني ، وقد طلبك أبوك وأنا معه محزونين؟
فقال لهما : لم طلبتماني؟ أتجهلان أنه يجب عليّ ملازمة أمر أبي؟ فلم يفهما عنه جوابه ، فانطلق معهما إلى ناصرة ، وكان يطوع لهما.
قال أبو محمد : كيف يطلق لوقا النذل القميار ، وهو عندهم أجلّ من موسى عليهالسلام أن يوسف النجار والد المسيح في غير ما موضع ، ويكرر ذلك كأنه يحدث بحديث معهود. أم كيف تقول مريم لابنها : طلبك أبوك تعني زوجها بزعمكم؟
وكيف يكون أباه ولا أب له؟
وإنما يطلق هذا الإطلاق في الربيب لا يعرف أبوه ، فيقال له : أبوك عن ربيبه بمعنى (كافله) لأنه لا إشكال هاهنا. وأما من لا أب له من بني آدم ، فإطلاق الأبوة فيه على زوج أمه إشكال وتلبيس ، وتطريق إلى البلاء.
أم كيف تبقى «مريم» مع زوجها بزعمهم ـ فض الله أفواههم ـ أزيد من ثلاث عشرة سنة كما يبقى الرجل مع امرأته ، يغلقان عليهما بابا واحدا؟
أم كيف يصح مع هذا عند هؤلاء الأنتان أنه مولود من غير ذكر؟
أين هذا الزور المفترى من النور المقتفى؟ قول الله تعالى حقا في وحيه الناطق إلى رسوله الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، حيث قال :
(فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) ... إلى قوله تعالى : (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) [سورة مريم : ١٧ ـ ٣١].
قال أبو محمد : هذا هو الحق الواضح الذي يصدق بعضه بعضا ، لا كذب ولا
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ١ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3571_alfasl-fi-almilal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
