بذلك ، لم يحتج أن يقول إنه بذاته فعل وخلق استوى ، فإن الخبر عن مسمى اسمه وذاته ، هذا حقيقة الكلام ولا ينصرف إلى غير ذلك إلا بقرينة ظاهرة تزيل اللبس وتعين المراد ، فلا حاجة بنا أن نقول : استوى على عرشه بذاته ، وينزل إلى السماء بذاته ، كما لا يحتاج أن نقول خلق بذاته ، وقدر بذاته ، وسمع وتكلم بذاته ، وإنما قال أئمة السنة ، ذلك إبطالا ، لقول المعطلة.
الثاني عشر : إن قوله «من يسألنى فأعطيه من يستغفرني فأغفر له» إذا ضممت هذا إلى قوله «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا» وإلى وقوله «فيقول» وإلى قوله : «لا أسأل عن عبادي غيرى» ، علمت أن هذا مقتضى الحقيقة لا المجاز ، وأن هذا السياق نص في معناه لا يحتمل غيره بوجه ، خصوصا إذا أضيف إلى قوله «ثم يعلو على كرسيه» وقوله في حديث المزيد في الجنة الذي قال فيه : إن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض ، فإذا كان يوم الجمعة نزل عن كرسيه ، ثم ذكر الحديث وفي آخره ، ثم يرتفع ويرتفع معه النبيون والصديقون.
الوجه الثالث عشر : إن أعلم الخلق بالله وأنصحهم للأمة وأقدرهم على العبارة التي لا توقع لبسا قد صرح بالنزول مضافا إلى الرب في جميع الأحاديث ، ولم يذكر في موضع واحد ما ينفي الحقيقة بل يؤكد فلو كانت إرادة الحقيقة باطلة ، وهي منفية لزم القدح في علمه أو نصحه أو بيانه كما تقدم تقريره.
الرابع عشر : أنه لم يقتصر على لفظ النزول العاري عن قرينة المجاز المذكور معه ما يؤكد إرادة الحقيقة حتى نوع هذا المعني ، وعبر عنه بعبارات متنوعة كالهبوط والدنو والمجيء والإتيان والطواف في الأرض قبل يوم القيامة. قال تعالى : (وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) (الفجر : ٢٢) وقال : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ) (الأنعام : ١٥٨) ففرق بين إتيان أمره وبين إتيان نفسه.
وقال محمد بن جرير الطبري في تفسير قوله (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ) وقد ورد في هذا الحديث عن النبي صلىاللهعليهوسلم وهو
