فإن قلت : إن إثبات الإرادة والمشيئة لا يستلزم تشبيها وتجسيما ، وإثبات حقائق هذه الصفات يستلزم الشبيه والتجسيم ، فإنها لا تعقل إلا في الأجسام ، فإن الرحمة رقة تعتري طبيعة الحيوان ، والمحبة ميل النفس لجلب ما ينفعها ، والغضب غليان دم القلب لورود ما يرد عليه.
قيل لك : وكذلك الإرادة هي ميل النفس إلى جلب له ينفعها ودفع ما يضرها ، وكذلك جميع ما أثبته من الصفات إنما هي أعراض قائمة بالأجسام في الشاهد. فإن العلم انطباع صورة المعلوم في نفس العالم ، أو صفة عرضية قائمة به. وكذلك السمع والبصر والحياة أعراض قائمة بالموصوف. فكيف لزم التشبيه والتجسيم من إثبات تلك الصفات ولم يلزم من إثبات هذه؟
فإن قلت : أنا أثبتها على وجه لا يماثل صفاتنا ولا يشبهها.
قيل لك : فهلا أثبت الجميع على وجه لا يماثل صفات المخلوقين؟
فإن قلت : هذا لا يعقل. قيل لك فكيف عقلت سمعا وبصرا وحياة وإرادة ومشيئة ليست من جنس صفات المخلوقين؟ فإن قلت : أنا أفرق بين ما يتأول وما لا يتأول بأن ما دل العقل على ثبوته يمتنع تأويله كالعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر ، وما لا يدل عليه العقل يجب أو يسوغ تأويله كاليد والوجه والضحك والفرح والغضب والرضى ، فإن الفعل المحكم دل على الإرادة فيمتنع مخالفة ما دل عليه صريح العقل.
قيل لك : وكذلك الإنعام والإحسان وكشف الضر وتفريج الكربات دل على الرحمة كدلالة التخصيص على الإرادة سواء. والتخصيص بالكرامة والاصطفاء والاختيار دل على المحبة كدلالة ما ذكرت على الإرادة ، والإهانة والطرد والإبعاد والحرمان دال على المقت والبغض كدلالة ضده على الرضى والحب. والعقوبة والبطش والانتقام دال على الغضب كدلالة ضده على الرضى.
(ونقول ثانيا) هب أن العقل لا يدل على إثبات هذه الصفات التي نفيتها فإنه
