حصل له شيء وإن لم يقع في نفس يده حصل في يده كذا وكذا من الخير والشر ، كما يقال : كسبت يده وفعلت يده ، وإن كان لغيرها من الجوارح.
الوجه الثاني : إن الندم حدث يحصل في القلب وأثره يظهر في اليد ، لأن النادم يعض يديه تارة ، ويضرب أحدهما بالأخرى تارة ، قال تعالى : (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها) (الكهف : ٤٢) وقال تعالى : (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ) (الفرقان : ٢٧) فلما كان أكثر الندم يظهر على اليد أضيف سقوط الندم إليها ، لأن الذي يظهر للعيان من فعل الندم هو تقليب الكف وعض الأنامل ، وأتى بهذا الفعل على بناء ما لم يسم فاعله إيهاما لشأن الفعل كقولهم : دهى فلان وأصيب بأمر عظيم.
والمقصود أن مثل ذلك لا يقال إلا لمن له يد حقيقة ؛ فإذا قيل سقط في يده عرف السائل أن هذا الكلام مستلزم لحقيقة اليد ، ومن هذا قول النبي صلىاللهعليهوسلم «أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا» (١) فكن يخرجن أيديهن ليعلمن أيهن أطول يدا ، فلما سبقتهن زينب إلى اللحاق به ولم تك يدها الذاتية أطول من أيديهن علموا أنه أراد طولها بالصدقة ، وكانت تسمى أم المساكين لكثرة صدقتها ، ومثل هذا اللفظ يحتمل المعنيين ولهذا فهم نساؤه منه ؛ وهن أفصح نساء العرب اليد الحقيقية ، حتى تبين لهن أخيرا أنه طولها بالصدقة ، وهذا من التعريض المباح بأن يذكر لفظا محتملا لمعنيين ، ومراده أحدهما كقوله : «نحن من ماء» (٢) وقوله : «ذاك الذي في عينيه بياض» (٣) وقوله : «الجنة لا يدخلها العجزة» (٤) وقول
__________________
(١) رواه البخاري (١٤٢٠) ، ومسلم (٢٤٥٢).
(٢) انظر «البداية والنهاية» لابن كثير (٣ / ٢٦٤) ، «السيرة النبوية» له (٢ / ٣٩٦).
(٣) قال الحافظ العراقي : رواه الزبير بن بكار في كتاب «الفكاهة والمزاح» ، ورواه ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن سهم الفهري مع اختلاف ا ه وانظر «الإتحاف» للإمام الزبيدي (٧ / ٥٠٠).
(٤) [ضعيف الإسناد وهو حسن لغيره] أخرجه الترمذي في «الشمائل» (٢٣٠) عن الحسن البصرى مرسلا : أتت عجوز إلى النبي ، صلىاللهعليهوسلم فقالت : يا رسول الله ، ادع الله أن يدخلني الجنة ، فقال : يا أم فلان ، إن الجنة لا تدخلها عجوز ، قال : فولت تبكي ، فقال : أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تعالى يقول : (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ، فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً).
