وقالت طائفة أخرى : بل أوامر ونواه جمع آمر وناه ، فسمى القول آمرا وناهيا توسعا ثم جمعوا على فواعل. كما قالوا فارس وفوارس وهالك وهوالك وهذا أيضا متكلف ، فإن فاعلا نوعان : صفة واسم ، فإن كان صفة لا يجمع على فواعل فلا يقال : قائم وقوائم وآكل وأؤاكل وضارب وضوارب وعابد وعوابد ، وإن كان اسما فإنه يجمع على فواعل نحو خاتم وخواتم وقد شذ فارس وفوارس وهالك وهوالك فجمعا على فواعل مع كونهما صفتين ، أما فارس فلعدم اللبس لأنه لا يتصف به المؤنث وأما هالك فقصدوا النفس وهى مؤنثة ، فهو في الحقيقة جمع هالكة ، فإن فاعلة يجمع على فواعل بالأسماء والصفات كفاطمة وفواطم وعابدة وعوابد ، فسمعت هذا طائفة أخرى قالت أوامر ونواه جمع آمرة وناهية. أي كلمة أو وصية آمرة وناهية.
والتحقيق أن العرب سكتت عن جمع الأمر والنهي فلم ينطقوا لهما بجمع لأنها في الأصل مصدر فالمصادر لا حظ لها في التثنية والجمع (إلا إذا تعددت أنواعها) والأمر والنهى وإن تعددت متعلقاتهما ومحالهما فحقيقتهما غير متعددة (فتعدد) المحال لا يوجب تعدد الصفة ، وقد منع سيبويه جمع العلم ولم يعتبر تعدد المعلومات فتبين بطلان هذا الفرق الذي اعتمدتم عليه من جميع الوجوه.
الوجه الثالث والعشرون : تفريقكم بين الحقيقة والمجاز بالتزام التقييد في أحد اللفظين كجناح الذل ونار الحرب ونحوهما فإن العرب لم تستعملهما إلا مقيدة. وهذا الفرق من أفسد الفروق فإن كثيرا من الألفاظ التي لم تستعمل إلا في موضوعها قد التزموا تقييدها كالرأس والجناح واليد والساق والقدم ؛ فإنهم لم يستعملوا هذه الألفاظ وأمثالها إلا مقيدة بمحالها وما تضاف إليه كرأس الحيوان ورأس الماء ورأس المال ورأس الأمر. وكذلك الجناح لم يستعملوه إلا مقيدا بما يضاف إليه كجناح الطائر وجناح الذل فإن أخذتم الجناح مطلقا مجردا عن الإضافة لم يكن مفيدا لمعناه الإفرادى أصلا عن أن يكون حقيقة أو مجازا ، وإن اعتبرتموه مضافا مقيدا فهو حقيقة فيما أضيف إليه فكيف يجعل حقيقة في مضاف ،
