عقليين ، بل الحسن ما فعله أو ما يفعله فكله حسن (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) (الأنبياء : ٢٣) قالوا : والقبح والظلم هو تصرف الإنسان فى غير ملكه ، فأما تصرف الملك الحق في ملكه من غير أن يكون تحت حجر حاجر أو أمر آمر أو نهى ناه ، فإنه لا يكون ظلما ولا قبيحا. فرفع هؤلاء الأسئلة من أصلها والتزموا لوازم هذا الأصل بأنه لا يجب على الله شيء ، ولا يحرم عليه شيء ، ولا يقبح منه ممكن.
وقالت القدرية : هذا لا يرد على أصولنا ، وإنما يرد على أصول الجبرية القائلين بأن الله تعالى خالق أفعال العباد ، وطاعتهم ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم ، وأنه قدر ذلك عليهم قبل أن يخلقهم وعلمه منهم وخلقهم له ، فخلق أهل الكفر للكفر ، وأهل الفسوق للفسوق قدر ذلك عليهم وشاءه منهم وخلقه فيهم. فهذه الأسئلة واردة عليهم. وأما نحن فعندنا أن الله تعالى عرضهم للطاعة والإيمان وأقدرهم عليه ومكنهم منه ورضية لهم وأحبه ، ولكنهم اختاروا لأنفسهم الكفر والعصيان ، والله تعالى لم يكرههم على ذلك. ولم يجبلهم عليه ولا شاءه منهم ولا كتبه عليهم ولا قدره ولا خلقهم له ولا خلقه فيهم ، ولكنها أعمال هم لها عاملون وشرورهم لها فاعلون. فإنما خلق إبليس لطاعته وعبادته ؛ ولم يخلق لمعصيته والكفر به. وصرح قدماء هذه الفرقة بأن الله سبحانه لم يكن يعلم من إبليس حين خلقه أنه يصدر منه ما صدر ، ولو علم ذلك منه لم يخلقه. وأبى متأخرون ذلك. وقالوا : بل كان سبحانه عالما به وخلقه امتحانا لعباده ليظهر المطيع له من العاصي ، والمؤمن من الكافر ، وليثبت عباده على معاداته ومحاربته ومعصيته أفضل الثواب. قالوا : وهذه الحكمة اقتضت بقاءه حتّى تنقضي الدنيا وأهلها ، قالوا : وأمره بالسجود ليطيعه فيثيبه ، فاختار لنفسه المعصية والكفر من غير إكراه من الرب ولا إلجاء له إلى ذلك. ولا حال بينه وبين السجود ، ولا سلطه على آدم وذريته قهرا ، وقد اعترف عدو الله بذلك حيث يقول (وَما كانَ
