لأصل الرسالة والنبوة وأنت قد أوردته وأجبت عنه بما تعلم أن صدرك لم ينثلج له ، فإن تلك الأجوبة مبنية على قواعد قد اضطرب فيها قولك ، فمرة تثبتها ، ومرة تنفيها ، ومرة تقف فيها؟ أن تطرح تلك المقولات وتشهد بفسادها؟ فهلا سلكت في المعقولات المعارضة لخبر الرسول ما سلكت في تلك ، فكانت السبيل واحدة؟ يوضحه.
الوجه الرابع عشر : وهو أن أرباب تلك الشبه إنما استطالوا على النفاة الجهمية بما ساعدوا عليه من تلك الشبه ، وقالوا : كيف يكون رسولا صادقا من يخبر بما يخالف صريح العقل ، ولا يتكلم ؛ ولا يرى ؛ ولا يشار إليه ، ولا ينتقل من مكان إلى مكان ، ولا تحله الحوادث ، ولا له وجه ، ولا يد ولا إصبع ، ولا سمع ولا بصر ؛ ولا علم ولا حياة ؛ ولا قدرة زائدة على مجرد ذاته. ومن أصولنا وأصولكم إنه لم يقم بذاته فعل ولا وصف ؛ ولا حركة ، ولا استواء ، ولا نزول ، ولا غضب ولا رضى ، فضلا عن الفرح والضحك. ونحن وأنتم متفقون في نفس الأمر أنه لم يتكلم بهذا القرآن ولا بالتوراة ولا بالإنجيل وإنما ذلك كلام شيء عنه بإذنه عندكم وبواسطة العقل الفعال عندنا. ونحن وأنتم متفقون على أنه لم يراه أحد ، ولا رآه ، ولا يسمع كلامه أحد ، وأن هذا محال ، فهو عندنا وعندكم بمنزلة كونه يأكل ويشرب وينام. فعند التحقيق نحن وأنتم متفقون على الأصول والقواعد التى نفت هذه الأمور وهى بعينها تنفى صحة نبوة من أخبر بها فكيف يمكن أن يصدق من جاء بها. وقد اعترفتم معنا بأن العقل يدفع خبره ويرده؟ فما للحرب بيننا وبينكم وجه. فكما تساعدنا نحن وإياكم على إبطال هذه الأخبار التي عارضت صريح العقل. فساعدونا على إبطال الأصل بنفس ما اتفقنا جميعا على إبطال الأدلة النقلية به.
فانظر هذا الإخاء. ما ألصقه. والنسب ما أقربه. وإذا أردت أن تعرف حقيقة الحال فانظر حالهم مع هؤلاء الزنادقة في ردهم عليهم وبحوثهم معهم وخضوعهم لهم فيها.
الخامس عشر : إن الرجل إما أن يكون مقرا بالرسل أو لا ، فإن كان منكرا فالكلام معه في إثبات النبوة. فلا وجه للكلام معه في تعارض العقل والنقل.
