معرفته على نحو يقدر أن تدركها عقول عامة المكلّفين ، ولا تقصر عن الوصول إليها ولا تعجز عن فهمها ، وإلّا فإن لم تكن سهلة المأخذ ولم ينلها القاصرون والبسطاء يلزم القبيح وخلاف العدل الإلهي ، وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا ، ألا ترى أنّ الله تعالى إذا أوجب مثلا رؤية الهلال على عامة المكلّفين من ذوي الأبصار ، فهذا التكليف في حقّ الإنسان الذي قوة الباصرة فيه ضعيفة ظلم قبيح ومخالف للعدل ، فمقتضى العدل والحكمة إمّا أن يكون هذا التكليف مختصّا بأقوام ذوي الأبصار القوية أو أنّ الله تعالى يجعل الهلال واضحا مرئيا بحيث يراه كلّ أحد ولو كان في أدنى مرتبة من الأبصار حيث يقدر على أن تحصل له الروية.
إذا تبيّن هذا فنقول : إنّ الله تعالى دعا ذوي العقول قاطبة على معرفته وأوجبها على كلّ واحد منهم ، فلا بدّ وأن تكون آياته وبيّناته وبراهين معرفته ظاهرة مكشوفة لكلّ واحد من أرباب العقول ، على حسب مراتبهم في الكمال والقصور ، بحيث يقدرون من إدراكها وفهمها بأدنى لفت نظر وبذل جهد. وتوضيحا للمرام. نقول : إنّ معرفة أصول الدين واجبة على عامة المكلّفين سواء كانوا من روّاد الفضل وحملة العلم والكمال أولا ، وسواء كانوا من أهل البلاد والشعوب ، أو من القبائل وسكان البوادي والأعراب ، وسواء كانوا من العرب والعجم ، أو من سائر الأقوام والأجناس ، وسواء كانوا من الرجال والنساء ، أو من الشباب والكهول ، وغيرهم.
ومن البديهي حينئذ أنّ طريق معرفة الصانع وتوحيده إن كان موقوفا على تعلّم علم الكلام والمطالب المندرجة فيه ، والمقدمات التي ذكرها المتكلّمون في الكتب الكلامية ، والبراهين التي سطّرها المتوغّلون في المباحث العقلية والبحوث العلمية من إبطال الدور والتسلسل مثلا ، ونظائر هذه المطالب والبحوث والدقائق ، فلا بدّ حينئذ أن تكون معرفة الله تعالى مختصّة بعدّة قليلة من هذه الطبقات والأصناف ، ويبقى غيرهم في مرتبة الإهمال ومرحلة الإبطال ، وبطلان هذا الأمر بديهي لا يحتاج إلى البيان وإقامة دليل وبرهان.
وينبغي التنبيه على أنّ أصول العقائد وتفاصيل المعارف الخمسة على قسمين :
