ومقتضى عموم «من» الشرطية أنّ من آمن بهذا الدين ودان به اعتمادا على قول الرجال سواء حصل له من قولهم العلم أم لا ، يكون إيمانه وإسلامه متزلزلا في معرض الزوال ، وأمّا من دان بهذا الدين بنور القرآن والسنّة ، فهو يخرج من ظلمات الكفر والضلالة ، ويدخل في الإسلام بالفهم والمعرفة ، يعني من قبل الإسلام على ضوء الأدلّة والبراهين العقلية التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم تصريحا أو تلويحا ، يكون إيمانه على أساس مستحكم وتزول جبال الأرض قبل أن يزول إيمانه واعتقاده.
وغير خفيّ على العاقل البصير أنّ العلم الحاصل من التقليد هو العلم العادي كما هو الغالب في التقاليد ، وهو الظن الاطمئناني ، وهو يحتمل الخلاف ، والذي يحتمل الخلاف واضح البطلان في أصول الدين ، والمطلوب هو العلم القطعي الذي لا يحتمل الخلاف وإلّا فالعقل لا يفرّق بين أسباب العلم القطعي سواء حصل عن تقليد أو نظر ، نعم إن حصل العلم القطعي من التقليد فيكفي في المطلوب ، وهو حصول العلم في أصول الدين كما ذكره الشيخ الأعظم الأنصاري (ره) ولكن الشأن في حصول العلم القطعي من التقليد ، فإنّ الحاصل منه هو العلم العادي وهو الظن الاطمئناني ، والظنّ لا يغني من الحقّ شيئا كما عرفت. وقد أشرنا إلى ذلك في تعاليقنا على أوائل الكتاب (١).
فبعد ما تبيّن أنّ معرفة أصول الدين والاعتقاد بالمعارف الخمسة لا بدّ وأن يكون بالدليل والبرهان والحجة والإيقان ، فلا محيص من التنبيه على أنّ هذه المعرفة لا تتوقّف على الخوض في مباحث علم الكلام ، والتوغّل في مطالبه ، واستقصاء ما ذكره المتكلّمون في الكتب الكلامية بأسرها وإن كانت تلك المباحث والمطالب والأدلّة تفيد العلم وتوجب المعرفة إلّا أنّ معرفتها والخوض فيها والإحاطة بها لا يجب عينا ، بل تطويل للمسافة ويوجب بعد الطريق مع وجود الطريق القريب ؛ فإنّ كلّ ما أوجب الله تعالى معرفته على عموم المكلّفين ، فالعقل حاكم على أنّه يجب أن تكون أدلّة
__________________
(١) انظر ص ٨١ ـ ٨٢.
