ولا يستحقّون أن تشملهم شفاعة النبيّ المختار وآله الأطهار عليهم صلوات الملك الجبّار.
أمّا الذين يعتقدون المعارف الخمسة بالاعتقاد الجازم ، ولكن لجهلهم بصناعة الاستدلال عاجزون من ترتيب المقدّمات بصورة القياس ، كأكثر العوام من الذكور والإناث ، فعلمهم واعتقادهم علم حاصل من الدليل وواجدون لحقيقة الإيمان ، وعنهم وعن أمثالهم عبّر الشيخ الطوسي قدسسره في كتابه النفيس العدّة بأصحاب الجملة ، يعني أنّهم يعلمون معارف دينهم بنحو الإجمال وبالدليل الإجمالي ، ولا يتمكّنون من أداء ما في ضمائرهم على نحو التفصيل ، وذكر أنّ المحدّثين والأخباريين في باب أصول الدين من أصحاب الجملة.
وأمّا ما نطق به القرآن الكريم في حقّ إبراهيم الخليل عليهالسلام بقوله تعالى : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (١) فالمراد من الاطمئنان ليس دون مرتبة العلم وإن كانت كفاية هذه المرتبة في تحقّق الإيمان لا تخلو من قوّة ؛ لأنّ عدم حصول علم اليقين لإبراهيم الخليل عليهالسلام ينافي مقام النبوّة والعصمة ، وكونه من أولي العزم ، ومناقض ومضادّ لمرتبة الخلّة للرحمن.
بل الاطمئنان ، وهو عبارة عن سكون النفس وحصول الطمأنينة له مع وحدة المعنى ، له مرتبتان : مرتبة فوق مراتب الظن ودون مرتبة العلم ، ومرتبة فوق مراتب العلم والإيمان ، والمرتبة التي كان الخليل عليهالسلام طالبا لحصولها هو الاطمئنان الذي هو فوق العلم ، ومع حصوله يأمن من تصرّفات الوهم ، فإنّ الإنسان مع جزمه على شيء ربّما يتصرّف الوهم فيه ، كما أنّه مع علمه وجزمه بأنّ بدن الميّت في القبر من قبيل الجمادات قطعا ، ولا حسّ ولا حركة له أصلا ولا يقدر على الإضرار أبدا ، ولكنّه مع ذلك متى صار عابرا ومجتازا في ظلمة الليل من بين القبور مع العلم الذي عرفت وجوده فيه ، يتصرّف الوهم فيه فيعرض له الاضطراب والخوف من أجساد الأموات ، كما أنّ الإنسان يعلم أنّ الله تعالى هو رازقه ، ومع ذلك إذا تأخّر رزقه يوما فيتصرّف
__________________
(١) البقرة ٢ : ٢٦٠.
