الحالة التي تكون بين الموت والبعث قال تعالى : (وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) وهي مدّة مفارقة الروح لهذا الجسد المحسوس إلى وقت البعث وعودها إليه ، ويطلق على القبر بهذا الاعتبار. روى ثقة الإسلام في الكافي بإسناده عن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : إنّي سمعت وأنت تقول : كلّ شيعتنا في الجنّة على ما كان منهم قال : صدقتك ، كلّهم والله في الجنة قال : قلت : جعلت فداك إنّ الذنوب كثيرة كبار فقال : أمّا في القيامة فكلّكم في الجنة بشفاعة النبيّ المطاع أو وصيّ النبيّ ، ولكنّي والله أتخوّف عليكم في البرزخ قلت : وما البرزخ؟ قال : القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة.
ثمّ قال العلّامة المدني قدسسره : في هذه الفقرة من الدعاء دلالة على بقاء النفوس الناطقة بعد خراب الأبدان ؛ لأنّ الإضاءة المطلوبة ليست إلّا للروح وإلّا فالجسم يضمحلّ ويستحيل ، وهو مذهب أكثر العقلاء من المليين والفلاسفة القائلين بأنّ الروح جوهر مجرّد أبدي لا يعتريه الزوال ولا يتطرّق إليه الاختلال ، ولم ينكره إلّا شرذمة قليلون كالقائلين بأنّ النفس هي المزاج أو الدم ، وأمثالهم ممن لا يعبأ بهم ولا يلتفت إلى أقوالهم ، والشواهد العقلية والنقلية على ذلك أكثر من أن تحصى ويكفي في ذلك قوله تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) انتهى.
لا يقال : إنّ هذه الآية الشريفة نازلة في حقّ الشهداء وتدلّ على أنّهم أحياء بعد موت أبدانهم في البرزخ فلها اختصاص بهم دون غيرهم ، فإنّه يقال : إنّ في الآية دلالة على بقاء جميع الأرواح بعد الموت أيضا ، ولا اختصاص لها للذين قتلوا في سبيل الله ، فإنّه لما كان المقصود بيان حال الشهداء لقومهم من المؤمنين الباقين في الدنيا وإخبار لهم عن حالهم بعد موتهم ، وبيان ما يختصّ بهم من النعم فلذلك خصّ الكلام بهم ، نظير قوله تعالى : (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) وإن كان عليما بغيرهم أيضا فهل بقاء حياة الإنسان بعد الموت مختصّ بالشهداء؟ مع أنّ الروح المجرد الباقي ثابت في كلّ الإنسان لا في
