العلمية ، ولفلاسفة الغرب اشتغال طويل عريض في هذه العصور الأخيرة بمباحث النفس وأحوالها وبدراسة الروح الإنساني وما إلى ذلك بمثابرة ، محاولين إدخال الأرواح البشرية تحت سلطان تصرّفهم بتجارب يتخيّلون إمكان إجرائها في إحضارها ومخاطبتها ، شأنهم في مغامراتهم في جميع التجارب المادية ، وستبدي الأيام عن مردّ أمر هؤلاء الباحثين المندفعين بشره العقول ، كما أظهر نظره هكذا بعض من اهتمّ في التفكير في شئون الروح وعجائب أسرار الله تعالى فيه ، وقد قال أمير المؤمنين سلام الله عليه : من عرف نفسه فقد عرف ربّه. وما ذكره بعض جهلة العامة : أنّه ليس بحديث بل هو من كلام أبي بكر الرازي كما في باب الفتوح ص ٧ طبعة مصر سنة ١٣٠٤ فهو من الأغلاط ، وناشئ عن عدم الاطّلاع ، فإنّه أين أبي بكر الرازي من هذا الكلام اللائح منه أنوار المعرفة ، بل هو من جملة المائة كلمة التي انتخبها أبو عثمان الجاحظ المتوفّى ٢٥٥ من كلمات أمير المؤمنين عليهالسلام ، وذلك ثابت محقّق لا سترة عليه (١).
وانظر إلى تعاليقنا على الأنوار النعمانية (٢) ، وقد تكلّمنا حول هذه الكلمة الشريفة وأشرنا إلى اشتباه بعض المحدّثين ، وذكرنا أنّها مروية عن رسول الله صلىاللهعليهوآله وأمير المؤمنين عليهالسلام.
فلنذكر هنا من دلائل العقل والكتاب والسنة على تجرّد الروح التي هو النفس الناطقة الانسانية ، فمن أدلّتهم : أنّ معلوماته لا تقف عند حدّ ، فلو كان الروح جسما لكانت معلوماته واقفة عند حدّ ؛ لتعذر ارتسام ما لا نهاية له من الصور في جسم محدود.
وغير خفيّ أنّ تفهّم تجرّد الروح يعين كثيرا [في] فهم تنزّه الإله جلّ شأنه من الزمان والزمانيات والمكان والمكانيات وإن كان لا يرقى إليه فهم الشخص العامي ، ولا يفهم أنّ الروح : لا داخل البدن ولا خارجه كما أنّ الله سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه وهو بكلّ شيء محيط.
__________________
(١) انظر شرح المائة كلمة ، ص ٥٧ ، طبعة طهران.
(٢) الأنوار النعمانية ، ج ١ ، ص ٩ ، طبعة تبريز.
