الأرض ، فيفهمون الدعوة في سلوكه بعد أن يسمعوها من قوله ، مما يوحي لهم بأنها ليست فكرا مثاليا يعيش في عالم المثال وفي آفاق الخيال ، بل هي فكر متجسّد في الواقع العملي من شخصية الداعية.
وقد رأى بعض العلماء في هذه الآية إيحاء بعصمة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأن الله لا يجعل إنسانا قدوة مطلقة في كل عمله إلا إذا كان عمله صورة للحق ، ومطابقا للصواب.
وهكذا كانت هذه الآية خطابا للمسلمين الذين كانوا يجتمعون حول الرسول ويتصرفون بحرّية الذات المشدودة إلى مزاجها ، الباحثة عن رغباتها ، الغارقة في شهواتها ، بعيدا عن المسؤولية في خط الرسالة ، وبعيدا عن الجهاد في سبيل الله ، فيهربون عند ما تبدو أمامهم مواقع الخطر ، ويسقطون أمام تحديات العدو.
إنها تريد أن تشدّهم إلى صورة النبي محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم في ثباته في جهاده ، وإخلاصه لربه وقوته في مواجهة العدو ، واستهانته بالأخطار المحدقة به ، وفي موقفه الصابر في معركة الأحزاب ، عند ما كان يشجع المسلمين على الثبات ، ويشاركهم في حفر الخندق ، ويشدّ حجر المجاعة على بطنه ، ويبقى في خط التقدم الأوّل ، حتى لا يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه.
إنها تريد أن تقدّم لهم هذه الصورة ، النموذج الأعلى للإنسان الرسالي الثابت في خط الرسالة ، المتحدي في مواجهة العدوّ ، ليزدادوا قوّة بقوته ، وليأخذوا الإخلاص من إخلاصه ، حتى يكونوا في مستوى التحديات الكبيرة في المعركة ، ليكون لهم النصر من خلال هذا الموقف الحاسم القويّ في مواقع الإيمان.
إنه خط القيادة القدوة الذي تسير فيه القاعدة الجماهيرية من الأمة ولكن الذين يلتزمونه ، هم الذين انفتحت قلوبهم على الإيمان بالله ، وعاشوا
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٨ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3283_tafsir-men-wahi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
