قولنا : سألت الغني عن غناه ، وسألت العالم عن علمه ، وبين قولنا : سألت زيدا عن ماله أو عن علمه ، فالمتبادر من الأولين أني طالبته أن يظهر غناه وأن يظهر علمه ، ومن الأخيرين أني طالبته أن يخبرني هل له مال أو هل له علم أو يصف لي ما له من المال أو من العلم.
وعلى هذا ، فمعنى سؤال الصادقين عن صدقهم ، مطالبتهم أن يظهروا ما في باطنهم من الصدق في مرتبة القول والفعل ، وهو عملهم الصالح في الدنيا. فالمراد بسؤال الصادقين عن صدقهم توجيه التكليف على حسب الميثاق إليهم ، ليظهر منهم صدقهم المستبطن في نفوسهم ، وهذا في الدنيا لا في الآخرة ، فأخذ الميثاق في نشأة أخرى قبل الدنيا كما تدل عليه آيات الذر (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) [الأعراف : ١٧٢].
وبالجملة ، الآيتان من الآيات المنبئة عن عالم الذر المأخوذ فيه الميثاق ، ونذكر أن أخذ الميثاق من الأنبياء عليهمالسلام وترتب شأنهم وعملهم في الدنيا على ذلك ، في ضمن ترتب صدق كل صادق على الميثاق المأخوذ منه.
ولمكان هذا التعميم ، ذكر عاقبة أمر الكافرين ، مع أنهم ليسوا من قبيل النبيين ، والكلام في الميثاق المأخوذ منهم ، فكأنه قيل : أخذنا ميثاقا غليظا من النبيين أن تتفق كلمتهم على دين واحد يبلغونه ليسأل الصادقين ويطالبهم بالتكليف والهداية ، إظهار صدقهم في الاعتقاد والعمل ففعلوا ، فقدّر لهم الثواب (وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً)(١).
ولكننا لا نجد للآيتين أيّ ظهور في ما ذكره ، لا سيما في ما استنتجه من
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ١٦ ، ص ٢٨٥ ـ ٢٨٦.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٨ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3283_tafsir-men-wahi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
