أنه حرّ في حركته ، وفي هروبه ، وبذلك انحرف عن خط العقيدة والإيمان وظلم نفسه. ولكن المراد هنا من كلمة (نَقْدِرَ) المعنى الذي يلتقي بالتضييق ، أو بالتحديد كما في قوله تعالى: (وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) [الفجر : ١٦] ، وهكذا يكون معنى الآية ، إن هذا العبد الصالح خرج مغاضبا لقومه ، وهو يظن أنه قد ملك حريته ، بعد أن انتهت مهمته ، باستنفاد كل تجاربه في الدعوة إلى الله وعدم تجاوب قومه معه ، واستحقاقهم العذاب على ذلك ، وقرب نزوله عليهم ، فلم يفكر بالمرحلة الجديدة من عمله ، ولم ينتظر عودتهم إلى الإيمان من خلال التجربة الأخيرة التي قد تحقق نتائج كبيرة على هذا الصعيد ، وهي مسألة تهديدهم بالعذاب ، الذي ثبت ـ بعد ذلك ـ أنه كان الصدمة القوية التي أرجعتهم إلى عقولهم ، فانفتحت قلوبهم على الإيمان بالله وبرسالاته من جديد. كما حدثنا الله عن ذلك في آية أخرى ..
لقد كانت لحظة انفعال تختزن الغضب لله ، ولكنها لم تنطلق للتفكير بالمستقبل في آفاق الدعوة إلى الله ، التي تعمل على أن تطل على الآفاق الواسعة من عقل الإنسان وروحه وقلبه لتنتظر منه انفتاحة إيمان ، ويقظة روح ، وخفقة قلب ... وفي هذا الجو كان خروجه السريع ، سرعة انفعالية في اتخاذ القرار ، وقد لا يكون ذلك تهرّبا من المسؤولية ، وحبّا للراحة ، وابتعادا عن أثقال الرسالة ومشاكلها ، فربّما كان الجو يتحرك في حالة شديدة من الحيرة والغمّ والحزن ، مما يريد معه أن يخرج من هذا الجوّ الخانق ليجد لنفسه ملجأ جديدا ، أو موقعا آخر للدعوة ، أو لأي مشروع جديد ، في هذا الاتجاه ، وهو يظن أن الله لن يضيق عليه أمره ، في رزقه ، وفي حركته. وجاءت النتيجة غير ما كان يتصوره أو ينتظره ، فالتقمه الحوت ، بعد أن وقعت القرعة عليه ، وعاش في ظلمات البحر ، وجوف الحوت وظلمات الهمّ والغمّ ، وانفتحت أمامه من جديد ، آفاق إيمانه الواسع ، فعاش روحيته مع الله في ابتهال وخشوع ، وبدأ يتذكر لطف الله به ، ورحمته له ، ورعايته ، وتكريمه إيّاه من خلال ما اختصه به
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3280_tafsir-men-wahi-alquran-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
