قال : «وما ذهب إليه الطبريّ (١) من أنّ اللغتين اتفقتا في لفظه فذلك بعيد ؛ بل إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر ، لأنّا لا ندفع أيضا جواز الاتفاقات إلا قليلا شاذا».
وقال القاضي أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك (٢) : «إنما وجدت هذه في كلام العرب ؛ لأنها أوسع اللغات وأكثرها ألفاظا ، ويجوز أن يكون العرب قد سبقها غيرهم إلى هذه الألفاظ ؛ وقد ثبت أنّ النبي صلىاللهعليهوسلم [٤٣ / أ] مبعوث إلى كافة الخلق ، قال (٣) تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ) (إبراهيم : ٤)».
وحكى ابن فارس (٤) عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم أنه حكى الخلاف في ذلك ونسب القول بوقوعه إلى الفقهاء ، والمنع إلى أهل العربية. ثم قال أبو عبيد : «والصواب عندي مذهب فيه (٥) تصديق القولين جميعا ؛ وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء ، إلا أنها سقطت إلى العرب فعربتها بألسنتها ، وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية ، ثم نزل القرآن ، وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب ، فمن قال إنها عربية فهو صادق ، ومن قال أعجمية فصادق». قال : «وإنما فسرنا (٦) هذا لئلا يقدم أحد على الفقهاء فينسبهم إلى الجهل ، ويتوهّم عليهم أنهم أقدموا على كتاب الله بغير ما أراده (٧) فهم كانوا أعلم بالتأويل وأشد تعظيما للقرآن» ـ قال ابن فارس ـ «وليس كلّ من خالف قائلا في مقالته ينسبه إلى الجهل ؛ فقد اختلف الصدر الأول في تأويل القرآن» ـ قال ـ «فالقول إذن ما قاله أبو عبيد ، وإن كان قوم من الأوائل قد ذهبوا إلى غيره».
__________________
(١) انظر مقدمة التفسير ١ / ٦ (القول في البيان عن الأحرف التي اتفقت فيها ألفاظ العرب وألفاظ...).
(٢) تقدم ذكره ص ١١٢.
(٣) في المخطوطة : (وقال).
(٤) انظر الصاحبي ص : ٢٩.
(٥) في المخطوطة تقديم وتأخير (فيه مذهب).
(٦) في المطبوعة (فسر).
(٧) تصحّفت المخطوطة إلى : (أرادوه).
![البرهان في علوم القرآن [ ج ١ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2086_alburhan-fi-ulum-quran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
