خاتمة أخرى
ينبغي النظر في وجه اختصاص كلّ سورة بما سمّيت به ، ولا شكّ أن العرب تراعي في الكثير من المسمّيات أخذ أسمائها من نادر أو مستغرب يكون في الشيء من خلق أو صفة تخصّه ، أو تكون معه أحكم أو أكثر أو أسبق لإدراك الرائي للمسمّى. ويسمون الجملة من الكلام أو القصيدة الطويلة بما هو أشهر فيها ، وعلى ذلك جرت أسماء سور الكتاب العزيز ؛ كتسمية سورة البقرة بهذا الاسم لقرينة ذكر قصة البقرة المذكورة فيها وعجيب الحكمة فيها.
وسميت سورة النساء بهذا الاسم لما تردّد فيها من كثير من أحكام النساء ، وتسمية سورة الأنعام لما ورد فيها من تفصيل أحوالها ، وإن كان قد ورد لفظ الأنعام في غيرها ؛ إلا أن التفصيل الوارد في قوله تعالى : (وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً...) (الآية : ١٤٢) إلى قوله : (أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ) (الآية : ١٤٤) لم يرد في غيرها ؛ كما ورد ذكر النساء في سور ؛ إلا أن ما تكرر وبسط من أحكامهنّ لم يرد في غير سورة النساء. وكذا سورة المائدة لم يرد ذكر المائدة في غيرها فسميت بما يخصها.
فإن قيل : قد ورد في سورة هود ذكر نوح وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى عليهمالسلام ، فلم تختصّ (١) باسم هود وحده؟ وما وجه تسميتها به؟ وقصة نوح فيها أطول وأوعب.
قيل : تكررت هذه القصص في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء بأوعب مما وردت في غيرها ، ولم يتكرر في واحدة من هذه السور الثلاث اسم هود عليهالسلام كتكرره (٢) في هذه السورة ؛ فإنه تكرّر فيها عند ذكر قصته في أربعة مواضع ، والتكرار من أقوى الأسباب التي ذكرنا.
وإن قيل : فقد تكرر اسم نوح في هذه السورة في ستة مواضع فيها ، وذلك أكثر من تكرار اسم هود. قيل : لما جرّدت لذكر نوح وقصته مع قومه (٣) سورة برأسها فلم يقع فيها غير ذلك كانت أولى بأن تسمى باسمه عليهالسلام من سورة تضمنت قصته وقصة غيره ، وإن تكرّر اسمه فيها ؛ أما هود (٤) [عليهالسلام فلم تفرد لذكره سورة ولا تكرر اسمه مرتين فما فوقها في غير سورة هود] (٤) فكانت أولى السور بأن تسمى باسمه عليهالسلام.
__________________
(١) العبارة في المخطوطة (ولم تخص).
(٢) في المخطوطة : (لتكرره).
(٣) في المخطوطة : (كونه).
(٤) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
![البرهان في علوم القرآن [ ج ١ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2086_alburhan-fi-ulum-quran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
