وأنتم من أهل العلم والمعرفة ، ثم ما أنتم عليه في أمر ديانتكم ـ من جعل الأصنام لله أندادا ـ غاية الجهل.
ومما عدّ السكاكي الحذف فيه لمجرد الاختصار قوله تعالى : (وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما) [القصص : الآيتان ٢٣ ، ٢٤] والأولى أن يجعل لإثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق كما مر ، وهو ظاهر قول الزمخشري ؛ فإنه قال : ترك المفعول لأن الغرض هو الفعل لا المفعول ، ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذّياد وهم على السّقي ، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيّهم إبل مثلا؟ وكذلك قولهما : (لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ) [القصص : الآية ٢٣] المقصود منه : السّقي لا المسقيّ.
واعلم أنه قد يشتبه الحال في أمر الحذف وعدمه لعدم تحصيل معنى الفعل ، كما في قوله تعالى : (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) [الإسراء : الآية ١١٠] ؛ فإنه يظن أن الدعاء فيه بمعنى النداء ؛ فلا يقدّر في الكلام محذوف.
وليس بمعناه ، لأن لو كان بمعناه لزم : إما الإشراك ، أو عطف الشيء على نفسه ؛ لأنه إن كان مسمّى الآخر لزم الأول ، وإن كان مسمّاهما واحد لزم الثاني ، وكلاهما باطل ، تعالى كلام الله عز وجل على ذلك.
فالدعاء في الآية بمعنى التسمية التي تتعدى إلى مفعولين أي : سمّوه الله ، أو الرحمن ، أيّا ما تسمّوه فله الأسماء الحسنى ، كما يقال : «فلان يدعى الأمير» أي : يسمّى الأمير.
وكما في قراءة من قرأ : «وقالت اليهود : عزير بن الله» بغير تنوين ، على القول بأن سقوط التنوين لكون الابن صفة واقعة بين علمين ، كما في قولنا : زيد بن عمرو قائم ؛ فإنه قد يظن أن فعل القول فيه لحكاية الجملة ، كما هو أصله ، فقيل : تقدير الكلام : عزير ابن الله معبودنا. وهذا باطل ، لأن التصديق والتكذيب إنما ينصرفان إلى الإسناد ، لا إلى وصف ما يقع في الكلام موصوفا بصفة ، كما إذا حكيت عن إنسان أنه قال : زيد بن عمرو سيّد ، ثم كذبته فيه ؛ لم يكن تكذيبك أن يكون زيد بن عمرو ، لكن أن يكون زيد سيدا ، فلو كان التقدير ما ذكر لكان الإنكار راجعا إلى أنه معبودهم ، وفيه تقدير أن عزيرا ابن الله ـ تعالى الله عن ذلك ـ فالقول في الآية بمعنى الذّكر ، لأن الغرض الدلالة على أن اليهود قد بلغوا في الرسوخ في الجهل والشّرك إلى أنهم كانوا يذكرون عزيرا هذا
