عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) وقيل : «المعنى : أفمن زيّن له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرات ؛ فحذف الجواب ، لدلالة : (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) أو : أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله ؛ فحذف لدلالة «فإنّ الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء».
وأما قوله تعالى : (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) [يوسف : الآية ١٨] وقوله تعالى : (سُورَةٌ أَنْزَلْناها) [النّور : الآية ١] ، وقوله : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) [النّور : الآية ٥٣] فكل منها يحتمل الأمرين ؛ حذف المسند إليه ، وحذف المسند ، أي : فأمري صبر جميل ، أو فصبر جميل أجمل ، وهذه سورة أنزلناها ، أو فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها ، وأمركم أو الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة ، لا يشكّ فيها ، ولا يرتاب كطاعة الخلّص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره ، لا إيمان تقسمون بها بأفواهكم ، وقلوبكم على خلافها ، أو طاعتكم طاعة معروفة ، أي بأنها بالقول دون الفعل ، أو طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة.
ومما يحتمل الوجهين قوله سبحانه وتعالى : (وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ) [النّساء : الآية ١٧١] قيل : التقدير ولا تقولوا : آلهتنا ثلاثة ، وردّ بأنه تقرير لثبوت آلهة ؛ لأن النفي إنما يكون للمعنى المستفاد من الخبر دون معنى المبتدإ ، كما تقول : ليس أمراؤنا ثلاثة فإنك تنفي به أن تكون عدة الأمراء ثلاثة دون أن تكون لكم أمراء ، وذلك إشراك ، مع أن قوله تعالى بعده : (إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ) [النّساء : الآية ١٧١] يناقضه.
والوجه أن «ثلاثة» صفة مبتدأ محذوف ، أي يكون مبتدأ محذوفا مميّزه لا خبر مبتدأ ، والتقدير : «ولا تقولوا : لنا ـ أو في الوجود ـ آلهة ثلاثة أو ثلاثة آلهة» ثم حذف الخبر كما حذف من «لا إله إلا الله» و «ما من إله إلا الله» ثم حذف الموصوف أو المميّز كما يحذفان في غير هذا الموضع ؛ فيكون النهي عن إثبات الوجود لآلهة ، وهذا ليس فيه تقرير لثبوت إلهين ، مع أن ما بعده ـ أعني قوله : (إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ) [النّساء : الآية ١٧١] ـ ينفي ذلك ، فيحصل النهي عن الإشراك ، والتوحيد من غير تناقض ؛ ولهذا يصح أن يتبع نفي الاثنين فيقال : «ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان» لأنه كقولنا : ليس لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان ، وهذا صحيح ، ولا يصلح أن يقال عن التقدير الأول : ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ولا اثنان ؛ لأنه كقولنا : ليست آلهتنا ثلاثة ولا اثنين ، وهذا فاسد ، ويجوز أن يقدر : ولا تقولوا : الله والمسيح وأمّه ثلاثة ، أي لا تعبدوهما كما تعبدونه لقوله تعالى : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) [المائدة : الآية ٧٣] فيكون : المعنى ثلاثة مستوون في الصفة والرتبة ؛ فإنه قد استقر في العرف أنه إذا أريد إلحاق اثنين بواحد في وصف وأنهما
