ومن الدليل على أن للإحساس من التحريك للنفس ، وتمكين المعنى ما ليس لغيره : أنك إذا كنت أنت وصاحب لك يسعى في أمره ، على طرف نهر ، وأنت تريد أن تقرّر له : أنه لا يحصل من سعيه على طائل ، فأدخلت يدك في الماء ، ثم قلت له : «انظر ، هل حصل في كفي من الماء شيء؟ فكذلك أنت في أمرك» كان لذلك ضرب من التأثير في النفس ، وتمكين المعنى في القلب ، زائد على القول المجرد.
ومنها : الاستطراف ، كما سيأتي.
ومن فضائل التشبيه : أنه يأتيك من الشيء الواحد بأشباه عدّة ، نحو أن يعطيك من الزّند بإيرائه ، شبه الجواد ، والذّكيّ ، والنّجح في الأمور ، وبإصلاده شبه البخيل ، والخيبة في السعي ومن القمر الكمال عن النقصان ، كما قال أبو تمّام :
|
لهفي على تلك الشواهد فيهما |
|
لو أمهلت حتى تصير شمائلا (١) |
|
لغدا سكوتهما حجى ، وصباهما |
|
حلما ، وتلك الأريحيّة نائلا |
|
ولأعقب النّجم المردّ بديمة |
|
ولعاد ذاك الطّلّ جودا وابلا |
|
إن الهلال إذا رأيت نموّه |
|
أيقنت أن سيصير بدرا كاملا |
والنقصان عن الكمال ، كقول أبي العلاء المعري :
|
وإن كنت تبغي العيش فابغ توسّطا |
|
فعند التّناهي يقصر المتطاول (٢) |
|
توقّى البدور النقص وهي أهلّة |
|
ويدركها النقصان وهي كوامل |
وتتفرع من حالتي كماله ونقصه فروع لطيفة ، كقول ابن بابك في الأستاذ أبي عليّ ـ وقد استوزره ، وأبا العباس الضّبّي ـ فخر الدولة بعد وفاة ابن عباد :
|
وأعرت شطر الملك شطر كماله |
|
والبدر في شطر المسافة يكمل (٣) |
وقول أبي بكر الخوارزمي : [محمد بن العباس]
|
أراك إذا أيسرت خيمت عندنا |
|
مقيما ، وإن أعسرت زرت لماما (٤) |
|
فما أنت إلا البدر ، إن قلّ ضوؤه |
|
أغبّ ، وإن زاد الضياء أقاما |
المعنى لطيف وإن لم تساعده العبارة على ما يجب. لأن الإغباب أن يتخلّل بين
__________________
(١) الأبيات من الكامل ، وهي في الأسرار ص ١١٥ ، وكتاب الصناعتين ص ٢٠٠.
(٢) البيتان من الطويل.
(٣) البيت من الكامل ، وهو في أسرار البلاغة ص ١١٦.
(٤) البيتان من الطويل ، وهما في أسرار البلاغة ص ١١٦ ، وزهر الآداب ٢ / ١١٥.
